قصائد المغربي عبدالهادي السعيد تمزج العلوم لتصلح أعطاب الوجود

"سفر الوجوه".. كتاب شعري من قصيدة واحدة يحْمِلها نفَسٌ مطول واحد.
الأربعاء 2021/01/27
قصائد تحاول إعادة كتابة الكون (لوحة للفنان يحيى زكي محمد)

الرباط - في كتابه الشعري الجديد بعنوان “سفر الوجوه” يرسّخ الشّاعر والروائي المغربي عبدالهادي السعيد اسمه كأحد أبرز أصوات جيله في قصيدة النثر المغربية والعربية، كما يشكل طفرة في عطائه الشعري المستمر لربع قرن حتى الآن.

 الديوان الجديد للشاعر، خلافا لمجاميعه الشعرية السابقة، بُنِيَ ككتاب شعري من قصيدة واحدة يحْمِلها نفَسٌ مطول واحد، كما أن الشاعر في مؤلفه هذا لم يُدِرْ ظهرَه لاهتماماته المعرفية الأخرى المتعلقة بالعلوم، ولاسيما الرياضيات والفيزياء النظرية، الكوانتية تحديدا.

 عبر قصيدته/ الكتاب، يرخى السعيد السمع إلى نبض عوالمه العلمية، التي لا تبدو هنا متباينة مع نفسه الشعري، حيث يستحضر بعضا من قضايا العلوم الأساسية ويتمثل رهاناتها الإبستمولوجية الكبرى، كما يتمثل الصلات والوشائج الخفية التي تربط الشعري والفني عموما بالمعرفي العلمي، ما أغنى روافد النص وأثْرى شكله ولغته ومعانيَه الظاهرة والباطنة ودلالاتِه الجماليةَ وزاد من حرقة أسئلته.

وفي تصديره للكتاب ينطلق الشاعر المغربي رشيد المومني من عتبة العنوان، الذي يرى بأنه إبدال حرفيّ واحد، قد يكون مُبيَّتا، ينتقل بنا وسْم الكتابِ من حقل دلالته الأصلية “سِفر الوجوه” إلى حقل دلالةٍ تأويلية “سِفر الوجود”.

طفرة في عطاء عبد الهادي السعيد الشعري المستمر لربع قرن حتى الآن
طفرة في عطاء عبد الهادي السعيد الشعري المستمر لربع قرن حتى الآن

ويقول “هذا الانتقال لا يؤدي بالضرورةِ إلى محو الدّلالة الأصل، بقدر ما هو صيغةٌ من صِيَغ توسيعها. أو بالأحرى، وضعها في سياقها الطبيعي. ذلك أنّ السِّفر بما هو إشارةٌ ضِمنية إلى بداية تَشَكّلٍ ما، قد يكون ذا بعد كوني وعامّ، فهو أيضا إشارة إلى بداية تشكلٍ جزئي، وذاتي، يتمحورُ حولَ خصوصيةٍ محددة في المكان والزمان”.

وحول اندماج عالم الرياضيات والعلوم بالشعر كتب المومني “في الكتاب تتشكل تلك العلاقة الصعبة والمتوتّرة، القائمة بين المعرفي والشعري، والتي غامر النص/ الكتاب بتوريطِ لُغاته في جَمالية مضايقها. وهي كما سيلاحظ المتلقي النبيه، وبكثير من الابْتِسار، مغامرةُ التقاطِ الإشارات الموحيةِ بشروعٍ محتملٍ لاستهلالات تَشَكّلية. أو بتعبير آخر، لأسفار تكوينية”.

وبالنظر إلى توزع هذه الاستهلالات/ الأسفار في متن الكتاب على جغرافيات تاريخية متعددة ومتنوعة، فإن سلطةَ المعرفيِّ تكون مجبرة على الإعلان عن حضورها. باعتبار أنّ نحتَ الملامح الأولية لبداياتِ تشكل الوجوه في الوجود لا يمكن أن يتحقق إلا عبرَ شعرية واعيةٍ بميكانيزمات تشكل الجغرافيات التي يتقصّدُها القول الشعري، حيث تتكفل المعرفة بإضاءةِ مسالكها، والكشفِ عن منازلها، ومكامنها. سِرّية كانت، أو مُعلنة.

هنا تحديدا، وفق قول المومني، تتدخل الفاعلية القصوى لديناميكية الرؤية، الفاصلة بين تموقع الشعري ونقيضه. الرؤية التي تتأسس على أرضيةٍ منذورة لندرتها واستثنائيتها، في مزج بين عالم بارد ومحدد سلفا هو المنطق، وعالم خيالي متوهج لا محدود هو الخيال، وهو ما لا يعلم سره إلا الشاعر.

إن التراكمَ المطلق، والأهوج، لوجوهِ الكينونة في رحابة الوجود، خارجَ الكتابِ طبعا، كما يرى المومني، يتحول عادة إلى حجابٍ داكن وسميك، يتعذر معه التقاطُ التفاصيل اللامرئية التي يتطلع الكتاب ذاتُه إلى الإحاطةِ بفيزيائها.

ويضيف الشاعر “الحجاب المقصود هنا ليس للشعر أن يتخلص منه بإحراقه، أو بتمزيقه، ما دامت لعبة الإحراق أو التمزيق لن تكون سوى سببٍ وجيه لتأجيج هَلَع الوجوه. وبالتالي أداة لاختلاطِ حابلِ بداياتِ أسفار التكوين، بنابلِ نهايتها. ما يفضي إلى إضرام نار عبثية في كُلٍّ من الشعري والمعرفي على السواء”.

إن الأمر يتعلق بمكر إغراء الحجاب، كي يكشف ذاتيا وتلقائيا عمّا يُخفيه. تلك هي اللعبة الكبرى، التي اسْتَسلمَ السّعيد لغوايتها وجماليتها.

هكذا، وعبر أناقةِ ما تمارسه الحروف من خدش، من بتر، وشطح خبير باستراتيجيةِ كُلٍّ من نوايا الشاعر الماكرة والطيبة في آن، تُشرق أو تحتجب مَلامحُ هوية متناثرة للنص، من خلالها يرصد الشاعر الدمار الكوني المحيط به، محاولا رتق الفجوات والتمزقات، بنظرة رصينة ومقتصدة في اللغة ومتمهلة في معالجة الفكرة والصورة.

ونذكر أن عبدالهادي السعيد يكتب باللغتين العربية والفرنسية، وكتابه الأخير، الصادر عن منشورات دار مرسم بالرباط، هو الإصدار الثامن للكاتب، والخامس ضمن مسيرته الشعرية التي استمرت منذ 1996، وهي السنة التي فاز فيها ديوانه الأول “تفاصيل السراب” بجائزة اتحاد كتاب المغرب.

كما صدر له، عن دار سعد الورزازي للنشر، ديوانان “لا وأخواتها” (2003)، و”روتين الدهشة” (2004)، وعن منشورات “مؤمنون بلا حدود”، دراسة بعنوان “لقاء الفن والعلم: بين الاستحالة والتخاطر” (2018) لتتوالى مؤلفاته في الشعر والسرد.

14