قصائد دمشق لغسان زقطان

الأربعاء 2016/08/10

قرأت على صفحة الشاعر الصديق غسان زقطان أنه بصدد جمع قصائده التي كتبها في دمشق خلال الأعوام من 1982 وحتى عام 1988، وإصدارها في مجموعة واحدة بعنوان “قصائد دمشق”. وهي فكرة رائعة في حد ذاتها، فكيف إن كانت مرتبطة بشاعر مرهف مثل غسان وبمدينة ساحرة مثل دمشق، لا شك في أن التجربة ستكون شديدة الخصوصية، سيما وأن هذه القصائد موزعة على أكثر من ديوان، وبعضها منشور لم ينشر إلا في الصحف والمجلات.

لا تنتمي قصائد غسان زقطان هذه التي أعرف غالبيتها الساحقة، بسبب قربي منه خلال سنوات الثمانينات حين كان دمشقيا، إلى ذلك الشعر الذي اتخذ من المدينة موضوعا، منذ حسان بن ثابت الأنصاري حين زارها في الجاهلية أكثر من مرة، وكتب يستذكر أجواءها البهيجة مع الصحب الخلان: للهِ دَرُّ عِصابةٍ نادَمْتُهمْ / يوماً بجلقَ في الزمانِ الأَوّلِ، وحتى محمود درويش في قصيدته الشهيرة “طوقُ الحمامة الدمشقيّ”، ولكنه شعرٌ كُتب في أجواء دمشق ومقاهيها وشوارعها وأصدقائها وبيوتها. والحق أنها كانت واحدة من أثرى مراحل غسان الشعرية، وربما هي المرحلة الأكثر عذوبة في حياته الإبداعية، إذ تحضر القصيدة بكل بهائها من دون أي بهرجة أو عبث لغوي ، ويحضر الغناء الفريد فيها، من دون أي شبهة تناص مع غناء شاعر آخر.

وهذا ليس بمستغرب عن غسان زقطان فهو صوت فريد متفرد في الشعر الفلسطيني المعاصر، نجا بأعجوبة من الغرق في المحيط الدرويشي، واختط له درباً ناحلا في غياطل الشعر الكثيفة، حتى احتل هذه المكانة المتفردة ليس على صعيد الشعر الفلسطيني فحسب، بل على صعيد العالم.

في قصائد دمشق، يؤثث غسان مقطوعاته كما يؤثث الدمشقيون بيوتهم، فيختار أنفس ما في اللغة من معان، وأبسط ما فيها من تراكيب، ويحضر الغناء في كل مقطع، حتى لكأننا أمام سمفونية كبرى من التواشيح الأندلسية، تندغم فيها الصور مع الألوان والروائح والأصوات، معطية ذلك الانطباع العميق الذي لا يغيب مهما بعد الزمن، وتراكمت الذكريات.

للأمكنة تأثير غريب على غسان زقطان، فحين تقرأ مجموعته “رايات” التي صدرت في العام 1983، تعيش معه بيروت المقاومة بكل تفاصيلها الجميلة والحميمة، من كأس الشاي النقي الذي يحلم به العسكري عند الصباح، إلى الصديق الذي يفاجئ الشاعر وهو يرتجف في برد أيامه، كما يفاجئه “القش على وبر الصوف”. ولكن الأمر يختلف في قصائد دمشق إذ تحضر ظلال المدينة وألوانها، ونوافير مائها ومقاهيها، ومزاجها الرائق ويغيب اسمها.

هي تجربة فريدة أراد غسان أن يقدمها لنا كأضمومة ورد جوري، انتقاها بعناية من بساتين الغوطة وحدائق البيوت العتيقة داخل السور، وضمخها ببعض الياسمين المنتثر على الطرقات، من الصعب على المرء ألا يشمها بكل ما أوتي من رغبة في اقتراف الجمال.

كاتب من سوريا

14