قصائد سينمائية مفعمة بالتفاصيل اليومية

تعنى القصيدة العربية الجديدة بجوانب حياتية غير مطروقة، هذا وإن دل على شيء، فهو دليل على البحث الدائم لدى الشاعر عن كل ما هو جديد، خصوصا ما يعد مهمشا وغير ملفت للانتباه في حياتنا المعاصرة، تلك التفاصيل الصغيرة بعفويّتها وبراءتها تعد المادّة الخام لجل قصائد الشاعر المعاصر.
الأربعاء 2016/03/16
مجموعة تحمل قصائد بوح لصوت الذات الأنثوية

في مجموعتها الشِعريّة الجديدة “أعيادي السرية”، تسعى الشاعرة العُمانيّة فتحيّة الصقري إلى شق طريق لصوت الذات الأنثوية من خلال البوح وتدوين كل ما يجول في خاطرها من أحلام وندبات، إضافةً إلى الكثير من التفاصيل واللحظات الوجودية الحميمة التي تزخر بها الحياة، بلغة شعرية فيها من البساطة بقدر ما تزخر بالمزيد من الحذق والإدهاش.

تأتي قصائد المجموعة الشعرية الصادرة أخيراً عن دار مسعى للنشر والتوزيع في المنامة على شكل شريط من الصور الملتقطة لحياة تتوق إليها الشاعرة، ومن ثم ليلقى صداها من التوق لدى القارئ أيضا.

تهدي الشاعرة فتحية الصقري “أعيادها السرّية” هذه إلى والدها مبارك بن مختار، حيثُ تنعته بالرجل “الذي رحل باكراً/ برقّةٍ زائدةٍ في القلب”، في إشارةٍ إلى أثر العلاقة الحميمة للأب في حياة وإبداع الشاعرة، ولتنسحب هذه “الرقّة الزائدة” على مجمل قصائد المجموعة، فتأتي وكأنها رسائل مشحونة بالحنين، تتغنّى بالفقد والذكرى. وما يؤكد ذلك تلك الشذرة المنتقاة لديفيد هربرت لورانس التي تصدّر بها الكتاب، وفيها يقول “النصر الأكبر للإنسان، كما للزهرة والوحش والطائر، أن يكون مفعماً بالحياة”. حيثُ تقول الصقري في قصيدة بعنوان “تحت كل حجر وردة بيضاء”، “لك هذا الألم الذي/ يتحدث طوال الوقت ولا يتعب/ لك هذا الألم المجتهد في عمله/ كأيِّ موظف مخلص”، “لك هذا الحظ السيء الذي لا يخطئ طريقك أبدا/ الذي يحفظ اسمك وعنوانك جيدا”.

من جهة أخرى، تمثل اللغة السلسة والنبرة الخافتة، سِمتي قصيدة فتحيّة الصقري، مقابل التأمّل بروية في التفاصيل اليوميّة، والعمل على حياكتها شِعراً، ما يجعل المشاهد التصويريّة الملتقطة (أي التقنيّة المشهدية) تطغى على أجواء القصائد.

في أولى قصائد المجموعة تقول الشاعرة “لا لا/ هذه ليست أوراقا/ ليستْ قصاصات قديمة/ منسية في عتمة درج/ داخل خزانة الروح/ هذه فوهة/ فوهة تريد أن تقول شيئا/ قصة طويلة مثلاً/ عن العدم العاري”. وفي هذه القصيدة ثمة لغة درامية تدنو من السردية، نقرؤها وكأنها حكاية ترويها الشاعرة، على شكل مشاهد أو “أسكيتشات” متتالية، تفصل بينها النقطة أو الفاصلة، لتأتي النهاية أو ما يسمى ببؤرة الشعرية كما لو أنها لوحة تم إنجازها بضربة فرشاة أخيرة.

وفي قصيدةٍ أخرى نجدها تقول “سأكون بطلةَ القصّة المُقبلة/ التي سيقرؤها الغرباء والفضوليون/ وأصدقائي وقلبُ أمي/ لكن/ أشياء كثيرة لا تخصّني/ ولا علاقة لي بها/ أشياء بألوان قاتمة وغريبة/ ستُعرض بشراهة/ في الوقت الذي أحتاج فيه للهدوء والراحة”. وتتواصل هنا اللغة الدراميّة التي كتبت من خلالها القصيدة السابقة، حيث يساهم النفس السردي في جعل النص الشعري كتلة واحدة من المشاعر، مشحونة بجمل تصويرية قصيرة ومكثفة، لتأتي قصائد المجموعة بمجملها أشبه بفيلم سينمائي في مخاطبتها للعين، الحاسة الأكثر إثارة لدى المتلقي.

تعمل الشاعرة فتحية الصقري بروية وأناة في اختيار عنوان قصيدتها “بوصفه الاسم الدال على شخصيّة النص ومعالمه وسماته وعلاماته”، فيأتي وفق استراتيجيا دقيقة، تفضي إلى اتجاهين رئيسيين، الأول يكون العنوان مختزلا -مفردة واحدة على الأغلب- يأخذ من القصيدة أكثر مما يضيف إليها، كما في “السر، ارتطام، لن أتوقف، نزهة قصيرة، وجوه”.

وفي الاتجاه الثاني يكون العنوان طويلا، جملة بحد ذاتها، ويمكن اعتباره قصيدة مستقلة، كما في “فوهة تريد أن تقول شيئا، أمسح عن صوتي الغبار، أنتظر كل يوم حجرا جديدا، بإمكانها أن تتبسم، ولأوقف ضجيج المعارك في رأسي”.

تقع مجموعة “أعيادي السرية” في مئة وأربعين صفحة من القطع المتوسط، وهي الثالثة في رصيد فتحية الصقري الشعري، فقد سبق وأن أصدرت مجموعتين هما “نجمة في الظل” (2011)، و”قلب لا يصلح للحرب” (2014).

15