قصائد طه عدنان تنقل زمن الصقيع العربي

كثيرا ما حفلت الدواوين الشعرية بقصائد تعبّر عن القهر والعذاب والحرب والآلام والذكريات والغضب، وقبلها أيضا الحب الذي شكل محورا رئيسيا، والحب في الشعر ارتبط بمشاعر الهجر والبعد، واختلط بالدموع في صدور العشاق، بنبرة المتلهف والمشتاق، هذه بمعان والأحاسيس المتعددة لثيمة الحب ارتبطت عند الشعراء الذين فارقوا أوطانهم بمعاني أخرى زادتها المسافات عمقا واتساعا، وجعلت القصائد تفوح منها رائحة المعاناة والشعور بالغربة.
الجمعة 2016/02/12
العالم ضيق على الصدور

الرباط – صدر للشاعر المغربي، المقيم في بلجيكا، طه عدنان عن منشورات المتوسط بميلانو ديوان شعري جديد تحت عنوان “بسمتك أحلى من العلم الوطني”، ويتضمّن 14 قصيدة موقّعة ببروكسل في ما بين فبراير 2011 وسبتمبر 2015.

يبدأ الديوان بقصائد في الحب، كما لو أنّ الأمر يتعلّق بمقدمة غزلية لمعلّقة معاصرة. وحتى الحب، “ملهاة القلوب”، سرعان ما يصبح “ضربا من المستحيل”. لذلك صار القلب شائكا والسرير داعرا، أمّا لغة العشاق فقد أفسدتها اللّايكات. وسرعان ما يتداخل الحبّ بالحرب في قصيدة مستعِرَة عرفت كيف تتحوّل إلى نشيد، في زمن الصقيع العربي، حيث القتل مستتبّ والدّم إلى الرُّكب، لترفرف “بسمتُكِ” في خيال الشاعر فتبدو أحلى من علم وطن مهزوم.

يقول: موبايلُكِ مقطوعٌ/ وَهاتفُكِ الأرضيُّ يرِنُّ / يرِنُّ وَلا يُجيبْ/ على الفيسبوك/ ألوانُ الوطنِ تحجُبُ / بسمَتَكِ/ بسمَتَكِ الأحلى / مِنَ الرّبيع/ مِنْ كلِّ الفصولْ/ بسمَتُكِ/ أبهى من الجماهير / حين تصولْ / أزهى من الشّعب / حين يثورُ/ وَحين يُغنّي بلادي.

مواضيع ساخنة

في ديوان طه عدنان الجديد “بسمتُكِ أحلى من العلم الوطني” هناك قضايا من الصنف الذي اعتاد الشعر الملتزم مقاربتها في عقود خلت، في زمن سابق على قصيدة النثر، لكن بروح متخفّفة من منسوب اليقين هذه المرة، وبنبرة لا تبشير فيها. وصفة تتمازج داخلها عناصر قصيدة النثر بروح الشاعر الذي لا يريد أن يخلد إلى السباحة الحرّة في بحر الصور الذهنية أو الحسية المتلاطمة، بقدر ما يفضّل الوقوف المتبصر في وجه العاصفة: العاصفة التي تضرب الآن، وهنا. هذا الهنا الفسيح الممتدّ ما بين عالم عربي مفكّك الأوصال ومهجر اتّخذه الشاعر منفى اختياريا له، ومنه طفِقَ يرقب التحوّلات. اشتباكٌ شعريٌّ مع قضايا الإرهاب والتطرّف ومآسي الهجرة واللجوء.

مواضيع ساخنة تحضر في قصائد معاصرة واعية سياسيا لا ينطلي عليها خطاب الدعاية الإعلامية الفجّ، وفيها أيضا سعي إلى ربط الألم الذاتي بالألم الجمعي من خلال محكيّ شعري لا يتورط في النبرة العالية والمباشرة السطحية، مستلهما الإشارات التاريخية والتـراثية ومستدعيـا دلالتـها الصريحة والمضمرة بسلاسة ووضوح وبرؤية حداثية ناضجة. يقول طه عدنان: كأي موسى زائف/ خططت أمي/ دون سابق وحي/ قذفتني في التابوت/ فقذفتني في اليم/ فألقاني اليم بالساحل/ لتأخذني الآن/ على حين غرة/ ترديني قصّة مصورة/ قصّة مزوّرة/ ولا أدري/ هل أنتَ عدو/ أم صديق؟

ديوان “بسمتُكِ أحلى من العلم الوطني” محاولة لقرع جدران الخزّان. خزّان العصر الذي يمور كمرجل. والشاعر يتقدّم وسطه عاريا إلّا من هشاشته، ومن قدرته على الاعتراف عبر الشعر بأنّ الباب مازال مفتوحا، لكن لا أحد يحاول الخروج إلى حيث الموت والتيه يتبادلان الأدوار. يقول: خرجوا مثل يونس/ من جَوْفِ الحوت/ كأبطالٍ خرافيّين/ في فيلمٍ واقعيّ/ (الكاستينغُ فيه مُرْتَجَلٌ)/ يَلْفِظُهم مَوْجُ التّيه/ إلى برِّ المتاهةِ/ جثثا وَخَيالاتٍ/ تَصْطادُهم الكاميراتُ/ غرقى/ أو طافينَ/ على ألواحِ القيامة.

وصفة تتمازج داخلها عناصر قصيدة النثر بروح الشاعر

في بروكسل، حيث يقيم منذ عقدين، يستعيد طه عدنان تجذُّره في أرض القصيدة. إنها قصيدة مكان، ملاذه البلجيكي يحضر في الديوان باعتباره فضاء عيش واستعارة متجدّدة. من مولنبك إلى لاكَار سانترال، ومن ميدان لابورس إلى مسرح البوزار. حركة الشاعر في المدينة -بوعي نقديّ واضح- تشكّل عنصرا أساسيا من عناصر شعرية هذا الديوان. يقول الشاعر: البورصة/ قلبُ المدينة الحجريّ/ كشكٌ يبيع يانصيب الخسارة للحشود/ كازينو الإفلاس المعَوْلَم.

التفاصيل اليومية

مجموعة “بسمتك أحلى من العلم الوطني” يستخدم فيها الشاعر التفاصيل اليومية في الشعر، وهو يعترف بأنّ اليوميّ مصدر ثريّ للإبداع. لكن هناك من فهم اليوميّ بشكل مختلف، فطفق يكتب قصيدة كلّ يوم لينشرها على مواقع التواصل مستدرّا اللايكات وتعليقات المجاملة، وذلك أضعف البهتان كما يصفه، بينما هناك من صار يُحاكي الشعر المترجم بشكل مضحك، في غياب مخزون قرائي شعري عربي وفي غياب أدنى معرفة بطبيعة الجملة العربية وجمالياتها، وهذا ما يُنتِج قصائد غارقة في النثرية والضحالة معا.

“بسمتُكِ أحلى من العلم الوطني” مجموعة شعرية جاءت، بعد ديوان “أكره الحبّ”، الصادر عن دار النهضة العربية 2009، لتؤكّد ما كتبته الشاعرة الرّاحلة صباح زوين عن أن “طه عدنان يعمل على اقتطاف كلماته من مشاهدات حية وواقعية يصادفها في المدينة، في الشارع، أو في أيّ معلم من معالم الحضارة المعاصرة فيمزجها مع حالات اجتماعية أو عاطفية ذاتية أو وجودية بشكل خاص، وهذه في معناها الراهن، المعنى الذي يحاول الشاعر أن يمنحه لذاته، هو التائه في خضم كل هذه الأدوات الحياتية ما بعد الحداثية”.

وطه عدنان شاعر وكاتب مغربي، من مواليد آسفي سنة 1970، نشأ وترعرع في مراكش، ويقيم في بروكسل منذ العام 1996، وله العديد من الدواوين الشعرية، والدراسات، وحاز العديد من الجوائز الدولية.

عندما غادر طه عدنان المغرب ورحل إلى بلجيكا، كان شاعرا شابا أخذته عزيمته وتعلقه بالشعر العربي لتحقيق أمل كان مفقودا آنذاك في المغرب، فبعد سنتين من حصوله على الإجازة في الاقتصاد من جامعة مراكش، لم يستطع الشاعر المغربي الحصول على وظيفة، الأمر الذي عجل بهجرته للبحث عن فرصة أخرى في أرض أخرى هي بروكسل.

وفرت الهجرة لطه عدنان بيئة جديدة أغنت كتاباته ونوّعتها، وبعد مرور سنة على رحلته من مراكش إلى بروكسل جاء أول الغيث الشعري، من خلال أول قصيدة في الهجرة، وسرعان ما تحوّلت مضامين الحنين لديه إلى رغبة في التعرف على أحوال الناس، وفضول لاكتشاف العالم الذي يعيش فيه، مما جعل إنتاجه الفكري يتنامى شيئا فشيئا، ولوضع لمسته في الشعر العربي المعاصر ساهم طه عدنان في تأسيس نشرية “الغارة الشعرية” في بداية التسعينات، والتي اعتبرت بمثابة تكتل جديد للحساسية الشعرية.

14