قصائد من جزيرة مهجورة

قصائد غير منشورة للشاعر العراقي فوزي كريم الراحل مؤخراً في مغتربه اللندني.
الأحد 2019/06/09
من أي خرقٍ يحلُّ الدخانُ (لوحة خير الله سالم)

العزلةُ وقرينُها

أقترحُ العزلةَ تسكنُها،

في منأىً عن أهوائكْ،

والموتَ تعانقُه طيَّ ردائكْ.

مُحترساً من عينِ رقيبٍ

لا يُحسن فهمَ أدائكْ.

أهواءُ المرء وليدةُ مجرىً لا يهدأْ،

والعزلةُ ماءُ غديرْ،

يتآخى في زُرقته الأحسنُ والأردأْ،

والخيّرُ والشريرْ.

لو أنَّ الموتَ اختلسَ طريقاً

في السرِّ اليكْ،

سيصيرُ عواءً أخرسَ، أنياباً ومخالبْ.

ولكيْ لا يُصبحَ بينكما مغلوبٌ أو غالبْ،

شرّع لرسولِ القدرِ ذراعيكْ .

ما أجملَ ذكرى من أحببتَ، إذا ما ضعتَ بغاباتِ الذكرى،

من دونِ دليلْ.

ما أوحشَ هذا الجسدَ الضيِّقَ بالمِحنِ الكبرى،

أو أرحبَ موتَكَ حين يصيرُ مجرَّتكَ الأخرى،

في متَّسعٍ لا يتناهى!

العزلةُ ماءُ غديرْ،

يتأملُ فيها النرجسُ فتنتَه وزوالَ شبابه.

والموتُ مناجاةٌ للجسد،ِ تهدْهدُه

وتُهوّنُ من أتعابهَ.

14/11/1996

أربعة تنويعاتٍ وخاتمة

فليقطعْ كلٌّ منا دربا،

ويلاشي وقعَ الأقدامْ

حتى لا يتركَ أثراً فتلاحقُه الأيامْ.

لكنْ من صحِبَ النفسَ تزاحمُه الآلامْ!

ولذا فأنا حذِرٌ من صحبةِ نفسي.

أدمنتُ قناعاً منذ سنينْ،

آلفتُ الأضدادَ بتكويني،

وخرجتُ.

لا أُقرَنُ إلا بالسحبِ تشتّتها الريحْ.

أو بكثيبِ الرمل،

أو بالقديس على حافةِ أهوائه،

أو باللاشيء، كشيء في ذاته.

أكتشفُ النفسَ، إذا جرّدتُ النفسَ من التاريخ،

وبنيتُ فناراً في ليلٍ لا فجرَ له

وأقمتُ به،

أنتظرُ، بغير عزاءٍ، مالا يأتي.

قدْ يقطعُ أحدٌ ما درباً وحده

ويلاشي وقعَ الأقدامْ،

حتى لا يتركَ أثراً فتلاحقه الأيامْ.

لكن في منتصفِ طريقِ اللاعودة

سيواجه شكلاً آخرَ للانسانْ

هو نصفُ كيانه،

وهناك سيتّحدان، ويكتملانْ.

26/9/1995

من صحِبَ النفسَ تزاحمُه الآلامْ (لوحة سعود عبدالله)
من صحِبَ النفسَ تزاحمُه الآلامْ (لوحة سعود عبدالله)

شاعر الغياب

إنه شاعرُ الغيابِ

ومأوى الصمتِ،

والموتِ،

والنداءِ الغريبِ.

يتحاشى فداحةَ الخَطراتِ الجوفِ في رأسه برأسٍ عصيبِ.

ويرى الليلَ طيّةً في عباءته السوداءَ،

والأفقَ سحنةَ المستريبِ.

وبه ما بدورةِ الفُلكِ من لحنٍ خفيّ،

ومن غناءٍ طريبِ.

بدويٌّ يعاشرُ الوحشَ،

إنْ مدَّ ذراعاً حطَّ العُقابُ،

وإن أصغى تداعَتْ في أذنه لغةُ الأسلاف!

يرثُ الريحَ والوساوسَ تأتيه خفافاً، من كلَّ فجٍّ قريبِ.

ويرى الشمسَ مثلَ ثقبٍ يهِلُّ الرملُ منه

على الخلاءِ الرحيبِ.

يتداعى أمامه الزمنُ الرخوُ: كثيباً مولّداً من كثيبِ.

إنه شاعرُ المهاوي،

ولا يأنسُ إلا بجذوةٍ في المغيبِ.

25/5/1998

يـا بـديـلي

أيها الشاحبُ النحيلُ،

يا بديلي،

يكفيك هذا القليلُ،

من بقايا دربٍ نحاوله وثباً،

وأفقٍ نرتابُ فيما يقولُ.

سعةُ الليلِ في ثيابي، وبيتي

نفقٌ عاثرُ الخطى معقولُ.

كلما داهمَ النزيفُ دمائي،

واحتواني جنحُ الضحايا الثقيلُ،

تتراءى: كأنَّ نهرين حلاّ في حنايايَ، واصطفاني النخيلُ .

أيها الشاحبُ الجميلُ

أيها الشاحبُ الجميلُ .

1/6/1998

الزمنَ الراقصَ حولي امرأةً تشبه سالومي (لوحة سعود عبدالله)
الزمنَ الراقصَ حولي امرأةً تشبه سالومي (لوحة سعود عبدالله)

أنا وهو

كجبلينْ

والكلامُ هوّةٌ تفصلُ بين قمتينا. مثلُ قلعتينْ،

أخلاهُما الوباءُ والحربُ، وفي كلينا

تعبثُ ريحٌ. إنني أليقُ به،

كما يليقُ سيّدٌ بموكبه.

13/7/1991

البرابرة

إنهم يسرعونَ إلى مُلتَقَى الطعنات.

يبدأونَ المتاهةَ من أولِ الخيطِ،

والموتَ من حبلِ سرتّهم.

في بيارقِهم تتعفّنُ هاماتهُم ،

وبها تستظلّ بيوضُ الفتن.

تتناسلُ ديدانُها،

وتضجُّ، فتطفحُ حافّاتُ أقدارهم.أنهم يسرعون!

13/7/1991

في هذه المدينة النائية

أسألُ من وحّدَ آمالي وأعطاها مذاقَ الرمل،

من بعثرني جريدةً مبلولةً على رصيفِ الليل،

من أوهمني براية الهاربِ،

بالكاذبِ،

مَنْ؟

أسألُ: منْ وحّدني مَجرى بلا مأوي سوى البحر،

ومَنْ فرّقني على شِعابِ الجبلِ الأجردِ قطعاناً،

ومنْ ساومني على ردائي،

وعلى فُتاتِ أهوائي،

ومَنْ بايعني

خليفةً على المتاهاتِ؟

يحلُّ الليلُ،

تأوي طرقُ اللاعودةِ الباردةُ الأطرافِ،

أستخرجُ من عتمةِ أدراجي قناعي

وأولي هارباً،

في هذه المدينة النائية…

أرى صديقاً يتحاشاني،

وأفراحاً على عكازةٍ تقطعُ صحراءَ من الإسمنت،

طابوراً من الأطفال، طابورَ دُمىً عاريةِ العظامِ.

في مفترقٍ أبصرُ ربّاً حائراً يدرك مالا نستطيع،

يكتفي بهيبة العارفِ،

تسّاقطُ أوراقُ خريفٍ من بهاءِ وجهه الصامتِ،

لا ينذرُ،

لا يحذّرُ.

انتشروا… انتشروا…

وفي كياني تأخذُ الرعدةُ مستودعَها،

يثقلُني الماضي ــــ أنا المدينة الزائلة ــــ

يُثقلُني الزخرفُ في تاجي، أنا الفُضْلةُ في محرقةِ التاريخِ ـ

كمْ يُثقلُني هذا القناعُ!

كم تُرى يثقلُني القناعُ!

كم يُثقلُني…

في هذه المدينة النائية.

5/3/1992

سيكون لنا، يوماً، أحفادْ (لوحة عزة الشريف)
سيكون لنا، يوماً، أحفادْ (لوحة عزة الشريف)

أعطني قوتَ يومي

أعطني قوتَ يومي،

ورغبةَ أن أتجاوزَ هذا الحُطامْ،

في طريقي إليك.

أيها الربُّ، إني وحيدٌ أمام عشائي الأخير

أتتبع خيطاً من النملِ يمتّدُ للقطعةِ الباردة

فوق مائدتي من بقايا الكلامْ.

وكما يُدفئُ اللحمُ بردَ العظامْ

يُدفيء اللحنُ سمعي،

إذا أنا أصغيتُ للنبْضِ أو حركاتِ الكواكبْ .

أيها الربُّ، إني ضنينٌ بدورةِ هذي العقاربْ

على راحةِ الكفّ، إني ضنينٌ برُكني،

ضنينٌ بهذا الفراغِ الذي يَصلُ الصمتَ بالكلماتْ.

كانت الشمسُ تغربُ من بين هدبيّ،

تمضي إلى مَشرقٍ آخر في كياني،

تعيدُ على مسْمعي دورةَ الأرضِ،

تكرارَ دورتها في ثباتْ.

آه، ما أضيقَ العيشَ داخل بيتي،

وما أوسعَ الشرفاتْ!

آه، من طائر يتلاشى على الأفقِ دوني.

آه، من قلِّةِ الزاد، من بُعد هذي الطريق.

31/3/1992

الخيـول

تخرجُ من مستنقعٍ آسنِ،

من عتماتِ الذهولْ.

تخرجُ هذي الخيولْ،

حوافرٌ يُخفي صداها الترابْ؛

خرساءَ، أصدافُ مآقيها

مطفأةٌ، شعرُ نواصيها

رعشةُ أولى لحظاتِ الضبابْ

في الفجر. من يقرأُ ما فيها

من نُذُرٍ للخرابْ!

من خَرَسٍ في الليلِ تأتي الخيولْ

وتُذهِلُ الشاعرَ عما يقولْ.

8/6/1992

طبيعة صامتة

في البيتْ

ماسورةُ ماءٍ تحتَ زُهيراتِ الدِّفلى،

يعلوها الصدأ.

وراء الدِّفلى بابٌ

يُشغلهُ ظِلٌ مرتابٌ،

يُحصي قَطراتِ الماءْ

في الحوض الآسن.

في هذا البيتْ

تنفردُ الشمسُ، تفيضُ حراشفَ سمكٍ ميتْ،

وتلوحُ زهيراتُ الدِّفلى

حَلَماتٍ لامرأةٍ حُبلى

في لحظة طَلْق.

كم يُعتمُ هذا الأخضرُ في غُصنِ الدِّفلى،

كم تُعتمُ رائحةُ الدِّفلى !

والدَبقُ المرُّ على الأزهارْ

كم يُغوي تحتَ الشمسِ

 ذُبابَ الدارْ!

2/1/1993

من قبضةِ الطينِ لكيْ أستريحْ (لوحة صفوان داحول)
من قبضةِ الطينِ لكيْ أستريحْ (لوحة صفوان داحول)

الغارب

سيكون لنا، يوماً، أحفادْ

يَرثون مَلامحَنا

ويكون رواةٌ، يقتسمونَ مآثرنَا،

وبقايا عَفَنٍ وسَمادْ.

وستُنصب شاهدةٌ،

وسيكتبُ شعراءٌ ذكرانا فيها، من يدري؟

قد ندخلُ مرآةَ التاريخِ،

يحيطُ بنا عَسَسُ الخلفاء، فيهترئُ قَفانا

من فَرطِ الجَلْدِ، ونُصبحُ غلمانا

للملك العادلِ، مَن يدري؟

قد نخْفقُ فوقَ بحارِ الليلِ قراصنةً،

قطاعَ طريقٍ في الأدغالْ،

أو نلطو فئرانا في حفرِ النسيانِ الرطبه!

1993

إلى القارئ

ستقرأُ شعري

وتسكنُ منعطفاً فيه وحدك،

تحيطُكَ رائحةٌ كاحتراقِ الثقابْ

وتجفَلُ، حتى لتبدو كأَنكَ في حيرةٍ وارتيابْ

من أمركَ:

من أي خرقٍ يحلُّ الدخانُ،

ومن أيّ مستودعٍ للعذابْ؟

ستقرأ شعري، وتعرفُ أن الكلامَ يحلّقُ مثل الطيورْ

جميلاً معافى،

ولكنّه إذ يحلّقُ، يتركُ فوقَ السطورْ

معانيه سودا،

وليسَ له ما لنا من ملاذٍ وملجأ.

سالومي

كما يرى النائمُ في جزيرةٍ نائية،

رأيتُ عزلتي على طبقْ

من فضّةٍ، كرأسِ معْمدانْ

والزمنَ الراقصَ حولي امرأةً

تشبه سالومي، وما المكانْ

إلا ضريحُ نفْيي.

فاقتلعي يا ريحْ

جذري،

من قبضةِ الطينِ لكيْ أستريحْ.

13