قصاصات هنري ماتيس الورقية في لندن: الرسم بالمقص

الاثنين 2014/05/12
ماتيس تأثر بالأعمال البدائية في الفن الأفريقي

لندن - ينظم متحف الـ”تيت مودرن” بلندن معرضا استعاديا للفنان الفرنسي هنري ماتيس (1869 /1954) خلال الفترة من 17 أبريل وإلى غاية 7 سبتمبر 2014. ويضمّ المعرض 130 عملا فنيا “كولاجيا” منفذا بتقنية القصاصات الورقية التي برع ماتيس في إنجازها بين عامي 1937 و1954.

أقعد مرض التهاب المفاصل ماتيس، وظل يتنقل على كرسي مدولب طوال سنواته المتبقية، لكنه بقي متفائلا، ومبتهجا، ومحتفيا بالحياة على الرغم من بعض المنغصات التي كانت تؤرقه بين أوان وآخر.

لشدة ولع ماتيس بما أنجزه من أعمال فنية مميزة تتألف كلها من قصاصات ورقية، لكنها انتظمت لاحقا في أعمال فنية شديدة الإبهار، حتى أنه سمّى السنوات السبع عشرة بـ”الحياة الثانية” المحتشدة بالعطاءات المتفردة والإنجازات المتميزة التي جعلته يعيش بيننا، ويعاصرنا، وربما تمتدّ هذه المعاصرة إلى المستقبل البعيد.

لم تنبثق هذه الأعمال الكولاجية المذهلة من فراغ، فهو رسّام وطبّاع ونحّات ويعتبره النُقّاد إلى جانب بابلو بيكاسو ومارسيل دو شامب، من أول الذين حدّدوا التطورات الجذرية للفنون التشكيلية في العقود الأولى من القرن العشرين.

إن الإشارة إلى “وحوشية” ماتيس في مراحله الأولى تفيدنا في تسليط الضوء على عموم تجربته الفنية التي أفضت إلى مرحلة “الكولاج”، التي تسيّدت فيها تقنية “القصاصات الورقية” التي أغرت جمهور الفن التشكيلي البريطاني وجعلتهم يتزاحمون أمام بوابة “التيت مودرن” بشكل غير مسبوق.

تميّزت الوحوشية باستعمال ألوان غريبة وصارخة، بل ومتناقضة في أغلب الأحيان، كما أن تحريف الأشكال، وتغيير النسب، والتلاعب بالأحجام، هي السمات الأساسية لهذه المدرسة الفنية التي استمرّت عشر سنوات لا غير، لكنها قوية بحضورها الموارب، بطريقة أو بأخرى، عند الفنانين المؤسسين لها تحديدا أمثال ماتيس، وموريس دي فلامنك وأندريه ديران وجورج براك وغيرهم من الذين عُرفوا بعنف الفرشاة، والألوان الحادة الصارخة، والموضوعات التي تميل إلى التبسيط والتجريد.

لا بدّ من الإشارة إلى تأثر ماتيس بالمدرسة الانطباعية أيضا، كي نلمّح إلى وفائه وإخلاصه إلى الفنانين الذين مدّوا إليه يد العون والمساعدة، وفتحوا له آفاقا كانت مسدودة من قبل.

ففي عام 1896 زار ماتيس الرسام الأسترالي جون بيتر رسل في جزيرة “بيل آيل” فلفت هذا الأخير عنايته إلى المدرسة الانطباعية، كما عرّفه بأعمال صديقه الفنان فان كوخ، الذي لم يكن معروفا آنذاك، فتغيّر أسلوب ماتيس تماما وقد اعترف لاحقا، كما هو دأبه دائما، حين قال: “رسل معلّمي، وهو الذي شرح لي نظرية اللون”. لقد كان ماتيس مولعا بالألون البرّاقة والمعبّرة وقد عثر عليها في غالبية أعمال فان كوخ فوجدت طريقها إلى أعماله السابقة وقصاصاته الورقية لاحقا.

لا يقتصر تأثر ماتيس بفان كوخ فحسب، وإنما يمتدّ إلى التأثر بالأعمال البدائية في الفن الأفريقي، فقد سافر ماتيس إلى الجزائر عام 1906، ليدرس الفن الأفريقي ويطلع عليه عن كثب. كما تعرّف على جانب من الفن الإسلامي، المغربي تحديدا، فتغيرت أعماله الفنية مرة أخرى، حيث استعمل الأسود كلون فتعززت، منذ ذلك الحين، شجاعته في استعمال الألوان إلى درجة المغامرة التي لا يقدم عليها إلا المبدعون من طراز رفيع.

تؤكد الناقدة والمؤرخة الفنية جاكي كلين بأن هناك خمسة أشياء يجب أن نعرفها عن ماتيس، كي نتوغل في أعماله الفنية ونحللها بطريقة معقولة، هي أقرب إلى الواقع منها إلى الخيال.

أعمال ماتيس"كولاج" للحياة المتفائلة رغم عسر المرض

وأول هذه الأشياء هي جذوره المهنية، فهو من أسرة تمتهن النسيج فلا غرابة أن يمتلك خبرة طويلة في هذا الجانب، بحيث بات ينسج لوحاته الفنية نسجا. كما أن ولعه بقصّ الأقمشة أو الورق يمتدّ إلى طفولته، غير أن التدريب المتواصل جعله يبدو أكثر مهارة من أي بزّاز أو خيّاط في استعمال المقصّ.

أما النقطة الثالثة فتتعلق بأحجية الصورة المقطّعة التي تحتاج إلى من يجمّع أجزاءها المبعثرة فتجد طريقها إلى الاكتمال من جديد. تعتقد الناقدة كلين بأن ماتيس هو من اخترع الفن التركيبي “الأنستيلشن”، خصوصا حين بدأ العمل على لوحات غطت جدارا كاملا أو عدة جدران من منزله.

أما النقطة الأخيرة التي أشرنا إليها سابقا وهي “الحياة الجديدة” التي شعر بها ماتيس بعد انغماسه في الفن “الكولاجي” وقصاصاته الورقية التي عوّضته عن أشياء كثيرة، جعلته يستغني عن مغادرة المنزل ليتصل بالعالم المحيط به، فلقد جلب، عبر القصاصات الورقية، الحدائق إلى منزله وكان سعيدا وقنوعا بما أنجز.

لا يمكن الوقوف عند 130 عملا فنيا أنجزها ماتيس، وجدت طريقها إلى “التيت مودرن”، حيث شغلت 14 صالة بأحجام مختلفة، وموضوعات متنوعة شديدة الثراء.

يعتبر “الحلزون” واحدا من أعمال ماتيس المهمة التي أنجزها عام 1953 وخضّبها بالغواش على الورق، ثم قصّها وألصقها على ورقة بيضاء بحجم (287 × 288 cm).

يحتوي هذا العمل على عدد من الأشكال اللونية المرتبة بشكل حلزوني (لولبي) كما يشي العنوان، حيث رسم ماتيس أول الأمر حلزونا ثم ترجمه عبر هذه الأشكال الورقية المقصوصة التي توحي به. يتألف التكوين من زوج من الألوان المتتّامة لذلك فقد أعطى ماتيس هذا العمل اسما آخر وهو “تكوين لوني”.

16