"قصاصو الجرة" يقتفون أثر الإرهاب والتهريب في الجزائر

الاثنين 2015/04/27
مقتفو الأثر يؤكدون قدرتهم على تمييز أثر الرجل من المرأة والحامل من غيرها، وحتى آثار البصير من الضرير

الجزائر -يعرف عن العرب البدو اختصاصهم في اقتفاء الأثر، فهو بالنسبة إليهم بمثابة فن متوارث انفردوا به عن غيرهم، سلاحهم الأوحد معرفتهم الواسعة بأسرار الصحراء نظرا إلى ما يتميّزون به من فطنة وفراسة ودقة ملاحظة.. في الصحراء الجزائريّة الشاسعة، تصاعد حراك الجماعات الإرهابية ومهرّبي السلاح والمخدرات، ففرض الأمر استقطاب مقتفي الأثر أو “قصّاصي الجرّة” لإنجاز ما عجزت عنه القوات النظاميّة.

لجأت السلطات الجزائريّة إلى فرق من مقتفي الأثر أو “قصّاصي الجرّة”، كما يسمون في الجزائر، لملاحقة عربات الإرهابيين وتطويق تحركاتهم في صحراء البلاد الشاسعة، وتحقيق خطوات استباقية فشلت قوات الجيش الجزائري في إنجازها.

وكان أبناء بعض القبائل المعروفة في الجنوب الجزائري يمارسون اقتفاء الأثر في الصحراء، من قبيل الهواية، غير أنّ الظروف الأمنية المضطربة بسبب تزايد تهديدات الجماعات الإرهابية وتوسّع نشاط عصابات تهريب الأسلحة والمخدرات في المثلث الصحراوي بين الجزائر ومالي وليبيا، قد فرض على الجيش الجزائري استقطاب مقتفي الأثر وتجنيدهم من أجل تعقّب الإرهابيين.

ومن هذا المنطلق، بات اقتفاء الأثر جزءا أساسيّا من خطط مكافحة الجماعات الإرهابية في الصحراء، وأصبح الجيش يستعين بفرق مقتفي الأثر في أغلب عملياته في جنوب الجزائر، حيث تم توظيف فرق راكبي المهاري، أي راكبي الجمال السريعة، الذين يسمون في الجزائر بـ”قصّاصي الجرّة” أو “الميهاريست” أي راكبي المهاري.

يذكر أنّ الجيش الجزائري عاد، قبل عامين، إلى الاستعانة بفرق راكبي الجمال الميهاريست لمواجهة الجماعات الإرهابية، ومهربي السلاح والمخدرات على الحدود الجنوبية للبلاد، وهي فرق تقوم بعدة وظائف أهمّها العمل على إرشاد الفرق العسكرية للطرق والمسالك السرية في الصحراء الجزائرية الشاسعة.

وتعتمد القوات النظامية على خبرة كبار مقتفي الآثر في قلب الصحراء الجزائرية، وهم في الغالبية من التجار والبدو الرحل الذين يعرفون أرجاء الصحراء الجزائرية، لا سيما تمنراست وإيليزي ووادي سوف.

وذكرت مصادر أمنية جزائرية أنه تم انتقاء مقتفي الأثر بسرية لتوظيفهم بصفة مرشدين ضمن القوات العسكرية، وذلك على أساس المعلومات التي يمتلكونها حول الصحراء ومعرفتهم الواسعة بأسرار الرمال وخباياها ومعابرها السرية التي يسلكها المهرّبون أو يلجؤون للاختباء خلال ترحالهم بين الجزائر ومالي وليبيا.

الالتجاء لمقتفي الأثر يكشف عجز الجيش على الحد من تصاعد الإرهاب والتهريب رغم ما يحوزه من تكنولوجيا متطورة

وقد التجأ الجيش لقصاصي الجرة، بعد أن عجز بما يمتلكه من تكنولوجيات متطورة للمراقبة والترصد عن بعد، عن الحد من ظاهرة التهريب ووقف تسلل عناصر الجماعات الإرهابية.

وتروى عن مقتفي الأثر أو قصاصي الجرة الجزائريين روايات عدة عن فراستهم، مثل كشفهم حيل المهربين عند انتعالهم أحذية بالمقلوب لمحاولة إيقاع مطارديهم في الخطأ بشأن تحديد معاكس لاتجاه سيرهم.

واقتفاء الأثر يعدّ لديهم فنا من الفنون وأهم أساليب كشف حوادث غامضة في المجتمع البدوي، على غرار حوادث سرقة الإبل والماشية وغيرها.. وممّا زاد من أهمية هذا الفن، طبيعة الأراضي القاحلة وخاصة الصحراوية منها، التي تحتفظ بأثر أقدام الإنسان والحيوان بسهولة تامة، نظرا إلى طبيعتها الرملية وقيافة الأثر هي الاستدلال بآثار الأقدام والحوافر وغيرها.

يقول الهاشمي.ح، أحد مشاهير مقتفي الأثر في الصحراء الجزائرية، إنه يمكن تمييز الرجل من المرأة والحامل من غيرها، والأعمى من البصير، وحتى بالنسبة للمواشي يمكن التمييز بين آثار الكبش أو الشاة وإن كانت عرجاء أو حامل من عدمه.

يقول عبدالله الشريف أوسيغ، وهو أحد أشهر مقتفي الأثر في مدينة جانب البعيدة نحو ألفي كيلومتر جنوب الجزائر، “أغلب الميهاريست في الجيش يعملون في نشاط اقتفاء أثر إطارات السيارات التي تخترق الصحراء، ويرشدون الفرق العسكرية على وجهة السيارات، وتاريخ أثار الإطارات".

ويضيف أوسينغ “يساهم قصاصو الأثر في إنقاذ أرواح الأشخاص التائهين في الصحراء وفي التحقيقات الجنائية حول بعض الجرائم التي تتم في الصحراء”، مستطردا “رغم أن العسكريين في الجزائر خاصة قوات الكوماندوز يحصلون في المدارس العسكرية على تكوين في مجال اقتفاء الأثر، فإنهم يعجزون أمام براعة مقتفي الأثر من أبناء القبائل المحلية في الجنوب الذين خبروا مسالك الصحراء وطبيعتها”.

ويقول مصدر أمني، “لا يمكن للجيش الآن الاستغناء عن قصّاصي الأثر الذين حققنا بفضل تعاونهم نتائج غاية في الأهمية".

فيما يقول موسان غريب، وهو رجل أمن متقاعد من مدينة طارات الحدودية بين الجزائر وليبيا “توقف استعمال الميهاريست قبل أكثر من نصف قرن أي مباشرة بعد استقلال الجزائر عن فرنسا عام 1962، حيث استعانت السلطات الفرنسية براكبي المهاري في مراقبة الحدود مترامية الأطراف للجزائر، أما اليوم فإن الجيش الجزائري يستعين بهم في عدة مهام أهمها اقتفاء الأثر في الصحراء والتعرف على الطرق الصحراوية السرية التي يستغلها الإرهابيون ومهربو السلاح في التسلل إلى الجزائر أو مغادرتها".

ورغم ضآلة عدد الميهاريست، فإن هذه الفرق حققت إنجازات كبيرة، من بينها منع عصابات المهربين من استغلال عشرات المسالك والطرق السرية بفضل إرشاد مقتفي الأثر للجيش عليها.

في هذا السياق، يوضح حامدي اغ موسى، وهو أحد أعيان قبيلة ايدنان في جنوب الجزائر، “لقد قلنا قبل سنوات عديدة أن مكافحة الإرهاب والتهريب لن تنجح إلا بالاستعانة بأبناء القبائل".

ويقول “منذ أن قرر الجيش توظيف الخبراء في المسالك السرية الصحراوية، بعمليات مكافحة الإرهاب، والتهريب في الجنوب، تحسنت الوضعية كثيرا وبات اختراق الحدود الجنوبية للجزائر شبه مستحيل”، حسب ما ذهب إليه.

20