قصبة الجزائر.. أموال طائلة وترميمات متعثرة

لا تزال عملية ترميم وإعادة الاعتبار لمدينة القصبة بالجزائر، متعثرة رغم الإمكانيات المادية والمالية الضخمة التي رصدت لها، ما يحرم العاصمة الجزائرية من الاستفادة التاريخية والاقتصادية من أبرز معالمها، خاصة مع التدهور التدريجي للخصوصيات التراثية والمعمارية للمدينة، فرغم استنزافها لأموال ضخمة، فاقت بكثير الأموال التي رصدتها ألمانيا لمدينة نورمبورغ، تبقى القصبة الجزائرية عصية على الترميم والتأهيل.
السبت 2018/02/03
أزقة جميلة ضيعها الإهمال

الجزائر – أعرب المهندس المعماري الألماني أرمين دور، عن أسفه لفشل عملية ترميم وتثمين مدينة القصبة الجزائرية، رغم الإمكانيات المادية والمالية الضخمة المرصودة للعملية، عكس مدينة نورمبورغ الألمانية التي دمرت بصفة شبه كاملة خلال الحرب العالمية الثانية، حيث تمت إعادة ترميمها بموازنة تقل بكثير عن الموازنة التي استفادت منها القصبة الجزائرية.

وذكر أرمين دور، في مداخلته خلال الملتقى الدولي المنعقد في العاصمة، حول ترميم مدينة القصبة، بأن “المدينة الألمانية رممت بشكل كلي في ظرف عشرين سنة، بينما لا تزال القصبة عاجزة عن أخذ مكانتها كمدينة تاريخية وتراثية بوسط العاصمة، خاصة وأنه قد تم تصنيفها من طرف منظمة اليونيسكو كمعلم تاريخي وتراث عالمي عام 1992”.

وكان المهندس الألماني ضمن الفريق التقني، الذي اشتغل مطلع ثمانينات القرن الماضي، على إعداد دراسة حول ترميم المدينة القديمة، إلا أن المخطط الموضوع بقي حبرا على ورق، حسب المتحدث، رغم الإمكانيات الضخمة التي رصدت له، ومرور نحو ثلاثين سنة على تصميمه.

وتعترض مدينة القصبة الجزائرية العديد من العراقيل والمعوقات، من أجل استعادة وجهها الحقيقي وتصميمها الأصلي، ففضلا على عملية الطمس التي تعرضت لها خلال الحقبة الاستعمارية، ووقوعها آنذاك ضمن الأحياء المتمردة على السلطة الاستعمارية، ما جعلها في كل مرة محل تفجير وتدمير.

ويرى مهتمون بالشؤون التراثية، أن “غياب استراتيجية واضحة بعد الاستقلال في ما يتعلق بالعمران وصيانة المعالم التاريخية، حوّل المدينة إلى حي يفتقد للضوابط المعمارية اللازمة، وأن التعديلات العشوائية وإيصالات الكهرباء والماء بطرق غير مدروسة، ساهم بشكل كبير في إتلاف بعض التفاصيل، لا سيما وأن عمران المدينة لا يتحمل الكثير من الأعباء والتعديلات”.

وزير الإسكان عبدالوحيد تمار يؤكد أن الحفاظ على المدن والأحياء القديمة، يدخل في صميم استراتيجية قطاع الإسكان، في ما يخص الجانب العمراني

وكانت الحكومة الجزائرية، قد نقلت سلطة ترميم وصيانة مدينة القصبة، من وزارة الثقافة إلى ولاية العاصمة، لتفعيل العملية، وتم استهلاك 24 مليون دولار، من قيمة فاقت 90 مليون دولار، خصصت لها، فضلا عن أغلفة مالية استنزفت في سنوات سابقة، لكنها فشلت في استعادة بريق القصبة.

ودعت جمعيات مهتمة بالشؤون التراثية، إلى ما أسمته بـ”التطبيق الصارم للمخطط الدائم لحفظ وتثمين المدينة القديمة وفرض احترام أحكامه القانونية “، في إشارة إلى عدم امتثال بعض السكان والملاك للمقاييس التي وضعها المخطط المذكور، للحفاظ على الخصوصيات العمرانية للمدينة.

وقدمت رئيسة جمعية “لننقذ قصبة الجزائر” حورية بوحيرد، توصيات للسلطات العمومية المكلفة بإعادة تهيئة الموقع التاريخي، وطالبت بـ”فرض احترام الإطار القانوني للمخطط، واللجوء إلى حق نزع الملكية في حالة المساس بسلامة المباني أو عدم ظهور أصحابها، وطرد السكان غير الشرعيين”.

وذهبت الجمعية الجزائرية لحفظ وترقية التراث الأثري، إلى اقتراح إجراء حفريات أثرية تلقائية بعد انهيار المساكن، وإقامة إشارات بيانية حول تاريخ الموقع، وإنشاء بنك لمواد البناء، من خلال الفرز الانتقائي للركام، بغية استرجاع مواد البناء الفاخرة كالخزف والأخشاب والمواد المستعملة.

وفضلا عن ذلك أوصت جمعيات أخرى شاركت في الملتقى، ببعث نشاط ثقافي وإنشاء محلات تجارية لإعادة الحياة للنسيج الاجتماعي والاقتصادي، بعد الركود الذي أصاب المدينة نتيجة، غياب الزوار والسياح، الأمر الذي أدى إلى انقراض الأنشطة التجارية والاقتصادية بالقصبة في المجال التراثي والحرفي.

وأبدت الحكومة الجزائرية، اهتماما لافتا في الآونة الأخيرة، باستعادة بريق القصبة، وتلافي تكرار التجارب الفاشلة الماضية، وتأمل في الانتهاء من العملية في غضون الأربع سنوات القادمة، حيث شدد وزير الثقافة عزالدين ميهوبي، على “الاستفادة من التجارب الناجحة عبر العالم في مجال حماية وحفظ المدن التراثية الآهلة بالسكان، من أجل الاستفادة منها في تأهيل وصيانة القصبة”.

وأكد وزير الإسكان عبدالوحيد تمار، من جهته على أن “الحفاظ على المدن والأحياء القديمة، يدخل في صميم استراتيجية قطاع الإسكان، في ما يخص الجانب العمراني، وأن الوزارة تدعم بشكل كامل التوصيات التي توجت الملتقى”.

ولفت محافظ الجزائر العاصمة عبدالقادر زوخ، إلى أن “ترميم القصبة يدخل ضمن المخطط الاستراتيجي للجزائر العاصمة الذي انطلق في 2015 وتمتد أشغاله إلى غاية 2035، وأن أعمال الترميم تتطلب الوقت والصبر”.

وكان ملف المدينة، قد جرّ الحكومة إلى مساءلة برلمانية لرئيس الوزراء أحمد أويحيى، الذي أكد بأن “السلطات العمومية عازمة على رفع تحدي عملية ترميم قصبة الجزائر، مع احترام المقاييس والمعايير التقنية التي أقرتها منظمة اليونسكو، لحماية المعالم المصنفة ضمن التراث العالمي”. وقال أويحيى “إن ترميم قصبة الجزائر يشكل تحديا كبيرا بالنسبة للسلطات العمومية بالنظر إلى الإشكاليات القانونية والإدارية والمالية التي تواجهها، وأن السلطات العمومية عازمة على رفع هذا التحدي، مع الأخذ بعين الاعتبار ضرورة احترام المقاييس والمعايير التقنية التي أقرتها منظمة اليونسكو لحماية المعالم المصنفة ضمن التراث العالمي”.

وتعد قصبة الجزائر من أعرق المواقع الحضرية المطلة على البحر الأبيض المتوسط، وتتميز بهندستها المعمارية المميزة، وتجمع بين المنشآت العسكرية والمدنية والاقتصادية، والهياكل الدينية، وتضم العديد من الأحياء السكنية، المعروفة بـ”الدويرات”، والقصور ذات الهندسة المعمارية العثمانية، ويعود تاريخ تدشينها إلى القرن الـ16 من طرف الأتراك، الذين استوطنوا البلاد آنذاك.

المدينة القديمة تفتقد للضوابط المعمارية

وقال أحمد أويحيى في رده على السؤال البرلماني “المحافظة على هذا الصرح الحضاري وحمايته لما له من رمزية في قلوب الجزائريين، وما يجسده من حقبات تاريخية توالت على بلادنا على مدى قرون، من بين أولى اهتمامات السلطات العمومية، التي لطالما اهتمت بالعمل على استعادة بريقه والوجه اللائق به”.

واستعرض رئيس الوزراء مراحل ترميم وتأهيل المدينة خلال العقود الماضية، بداية من سبعينات القرن الماضي، لكن قلة الموارد والطاقات البشرية المؤهلة، وغياب منظومة قانونية ومعيارية تؤطر مختلف الجوانب المتعلقة بعمليات حماية هذا التراث التاريخي، أعاقت تجسيد جهود تلك المرحلة.

وحسب رئيس الوزراء، فقد تم الانطلاق في أشغال “ترميم عدة وحدات تراثية ودينية بالمدينة، على غرار مسجد البراني وملحقاته، ومخزن البارود بقصر الداي، وقصر حسن باشا وسبع بنايات أخرى تتواجد في عمق المدينة، منها المقر القديم للمسرح الوطني ومنازل تاريخية استعملت كمأوى للمجاهدين خلال حرب التحرير، بالإضافة الى طمر الشبكات الكهربائية وتجديد قنوات التجميع والتطهير”.

وينتظر إطلاق ثلاث عمليات، من أجل “متابعة وإنجاز أشغال ترميم قصر البايات، وقصر الداي، والدراسات التقنية الخاصة بـ33 جزءا مبرمجا ضمن مخطط التدخل الذي يغطي أكثر من مئتي ملكية”.

وساهم خبراء دوليون شاركوا في ملتقى المدينة، بآرائهم في وضع خارطة طريق مستقبلية بهدف إنقاذ القصبة من الاندثار، وفق رؤية شاملة على المدى البعيد، تراعي الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لسكان المدينة، وهو ما جاء في تقريري رئيسة قسم الدول العربية في اليونسكو، ندى الحسن، ومدير حفظ وترميم التراث بوزارة الثقافة الجزائرية مراد بوتفليقة.

وقالت الخبيرة التركية زينب أنليل يلدز “إن القصبة جميلة والعديد من بيوتها ومنازلها بحاجة إلى إعادة تأهيل، خصوصا في ظل انهيار الكثير من الهياكل بها بفعل عوامل بشرية وطبيعية”.

17