قصة استفتاءين

الثلاثاء 2017/09/26

منذ زمن كنت في المنطقة المحيطة بالسفارة العراقية بلندن. كان ثمة مطعم بائس أكثر بؤسا حتى من المطعم المصري قرب سفارة مصر. هذا المطعم لم يكن عراقيا بل إنكليزيا مهترئا.

كان ثمة رجل ضخم وله بنية مصارع أو ملاكم. شكله عراقي، يراجع السفارة وجوعان في نفس الوقت. كان عنده طبق سمك وبطاطس مقلية (فِش أند تشيبس) سيء الإعداد.

دخل رجل إنكليزي واضح أنه من السِّفلة، حليق الرأس وجسمه مزين بأنواع الوشوم وأنفه وأذناه فيهما ثقوب ودبابيس. كان يريد أن يهين أحدا. واضح أن عنده كمية من الحقد والضغينة حملهما يرهقه ويريد التخلص منهما.

اختار المرقش الإنكليزي صاحبنا المصارع العراقي ليفرغ فيه حمولة البغضاء التي ترهقه. وقف بإزائه وانهال عليه بالشتائم والإهانات من كل الأصناف وصاحبنا يفهم وينظر بعيدا. حدست أنه يفهم ما يقال من نظرة التخاذل والاستخذاء في عينيه المتفاديتي النظر إلى المرقش.

أفرغ المعتدي سمومه وغادر. تبادل المصارع العراقي نظرات معي وتقدم لي بتفسير؛ قال إنه إذا أدّب هذا الحيوان أو ضربه فسيقول الحاضرون “عراقي همجي وغير متحضر” وينسون كل عدوان الإنكليزي. ربما كان محقا.

لكن الذي يستوقف هو حساسيته المفرطة وخوفه من أن يقال “غير متحضر”. هذه الخشية ترسم معالم سلوكنا وردود أفعالنا. الروس يشبهوننا في هذا وعندهم صفة “غير متحضر” سائدة، وخصوصا لدى أهل القرى، في الانتقاص من أحد.

والصفة، وتقال بالروسي “نيكولتورني”، مقبولة الاستخدام، كما هي باللغة الإنكليزية أيضا. وعندما ضرب خروتشوف طاولة الاجتماع في الأمم المتحدة بحذائه كان التخلص منه في الاتحاد السوفييتي سهلا لأن سلوكه “نيكولتورني وبهذا يكون قد فضحنا أمام الذي يسوى والذي لا يسوى”.

في الأيام الأخيرة تصرفت حكومتان نحو حدث يكاد يكون متطابقا بشكلين مختلفين تماما. فقد أعلن إقليما كاتالونيا في إسبانيا وكردستان في العراق عزمهما على إجراء استفتاء على الاستقلال.

الحكومة الإسبانية أوروبية غربية والبلد عضو مهمّ في الاتحاد الأوروبي. إسبانيا ليست عندها عقدة “ماذا سيقول الناس عنا” فتصرفت على أساس أن الدعوة لاستفتاء على استقلال الإقليم خرق للدستور. ووظيفة الدولة معاقبة الخارج عن القانون.

أرسلت مدريد رجال الدرك وصادرت أوراق الاستفتاء واعتقلت عددا من دعاته. في حين اسْتَخْذَت حكومة بغداد وانكمشت ولم تعاقب الخارجين عن القانون في كردستان. سلوك حكومة بغداد أعاد إلى ذاكرتي صورة ذلك العراقي في المطعم البائس في لندن. أخشى ما تخشاه حكومة بغداد أن يقال عنها نيكولتورني.

24