قصة "الخاتون"مس بيل مع العراق

الخميس 2017/12/07

لم تكن جيرترود بيل المولودة في إنكلترا العام 1868 شخصية عابرة في تاريخ الشعب العراقي المنقسم حولها، فهناك من يعدها عالمة ليس في الآثار وحدها بل في رسم سياسة البلاد وتاريخها المعاصر، وآخرون لا يرونها سوى مهندسة كان همها التجسس لحساب المندوب السامي البريطاني بيرسي كوكس، الذي عمل على تحويل العراق إلى دولة ملكية بتنصيب الملك فيصل، وسط عاصفة من الاعتراضات.

لكن الآنسة بيل الملقبة بـ”الخاتون” عملت على إقناع الأسر العراقية بجدوى تنصيب الملك فيصل مؤيدا من التاج البريطاني ليحكم.

وكانت للخاتون بيل حكايات كثيرة مع المجتمع العراقي الذي صاغت ذائقته الارستقراطية وكانت محط إعجاب ذلك المجتمع الخارج توا من سطوة العهد العثماني الثقيلة.

ظلت بيل تدور ليل نهار في الشوارع والأزقة العراقية والبيوتات والأسواق، وكانت تقيس مزاج الأسر والباعة والمتسوقين في بغداد وتحظى باهتمام الناس بأناقتها وحضورها بل بأفكارها التنويرية التي حرضت فتيات بغداد وبتن يقلدنّ ارتداءات الخاتون بيل وطريقة كلامها بل ويفتح الساسة والوزراء مكاتبهم وبيوتهم لها.

فصارت جليسة ونديمة النخب العراقية الميسورة التي تجد فيها إيقونة لا تعوض في ذلك الزمان المثخن بالأسى والتطلع إلى عالم جديد يشكله الأوروبيون المستعمرون.

وكانت بيل من تصيغ قوانين لا يعرفها العسكر والجند آنذاك الذين يواجهون نقمة عراقية شعبية ورفضا لوجودهم كمستعمرين لا محررين، تلك الفرية التي أعلنها الجنرال مود وهو يدخل بغداد 1917.

وكانت مهمة بيل مع المندوب السامي كوكس ممارسة فن العلاقات العامة لإقناع العراقيين والنخب بالذات بجدوى وجودهم، ببناء نواة الدولة العراقية التي دخلت عصر التحديث.

مس بيل خبيرة الآثار التي لها شرف تأسيس المتحف العراقي في عشرينات القرن الماضي كانت خبيرة علاقات عامة لا تنزل كلمتها عند الحاكم البريطاني ولا عند الملك فيصل ونوري السعيد رئيس الوزراء، حاذقة مقنعة، إلى حد إقناع ابن عبدكه أحد قطاع الطرق الذي اختطف القطار الصاعد إلى الشمال وكانت بيل فيه وحين عرفها أكرمها وبالغ في احترامها إلى الحد الذي توسطت له وأسقطت عنه التهم بل وعينته في الحكومة.

رسمت جيرترود بيل مزاجا عراقيا ملكيا بحنكة العالمة التي تعرف مغزى ديناميات السوق، وآمال الشارع، وكانت تعمل كل لحظة لمعرفة ذلك المجتمع الذي جاءته كباحثة أثرية، وماتت فيه العام 1926 لتدفن في المقبرة الملكية البريطانية ببغداد وليحضر الملك ورئيس الوزراء عند دفنها، بعد أن تركت ذكريات وتصورات أفادت بلدها، عن مجتمع ما كانوا يعرفونه كثيرا، ولعلها تحظى بمكانة عالية في إحدى غرف الانتلجنسيا البريطانية.

24