قصة الناقد الفني الذي ضيع المشيتين

النهوض بالفن في العالم العربي يتطلب في الدرجة الأولى نهوضا بمستوى النقد الفني، وهذا لا يمكن أن يحدث بجهود فردية فقط، بل لا بد من جهود تبذل على مستوى الدول.
الجمعة 2020/01/17
الفن العربي كانت له خصوصياته

حكايتنا مع النقد الفني تشبه إلى حد كبير حكاية “غراب البين الذي ضيع المشيتين”.

تبدأ القصة عندما كانت الحيوانات مجتمعة تستعرض مشيتها، وكان الغراب يتميز بمشية ساحرة، فهو قادر على الوقوف على رجل واحدة، يستبدلها بالأخرى بين الفينة والفينة، وكانت رشاقته مثار إعجاب الحيوانات، ومثار غيرتها وحسدها أيضا، فاتفقت على الإيقاع به، وتحدته أن يقلد مشية عصفور يختال قافزا بين الشجر، بقفزات قصيرة سريعة.

قبل الغراب المغرور التحدي وراح يقلد العصفور، إلا أن جسمه لم يساعده على أداء المشية، وبدلا من الإقلاع عن المحاولة تفرغ كلية يحاول أن يتقنها. محاولاته هذه لم تثر إعجاب الحيوانات الأخرى، بقدر ما أثارت سخريتها. تمضي الحكاية وتقول إن الغراب بعد أن يئس من النجاح، وأقلع عن المحاولة، اكتشف أنه ضيع مشيته الأولى.

هذا هو حال النقد الفني وحال النقاد في الوطن العربي. ولكن لماذا نوجه الاتهام للناقد ونحمّله مسؤولية تراجع العمل الفني، ولا نتهم الفنان بذلك؟

ببساطة لأن الفن يسير خلف النقد، وليس العكس. المفاهيم الفلسفية الجمالية هي من تؤسس للمدارس الفنية وترسم الطريق أمامها.

اهتمام النقاد العرب بالثقافة الغربية، بدءا بمفهوم الجمال عند الإغريق، ثم مرورا بهيغل وهربرت ريد، أحدث قطيعة مع مفهوم الجمال، كما رآه العرب والمسلمون.

التبادل الحضاري ليس عيبا، ولكن ما حصل في المشهد التشكيلي العربي يتجاوز حدود التبادل، إنه قطيعة نجمت عنها فجوة يصعب اليوم ردمها.

النقاد العرب اهتموا بمفهوم الجمال في الثقافة الغربية وفضلوا الشرب من نهاية المجرى على الشرب من المنبع

وحتى لا نظلم النقاد وحدهم، يجب أن نعترف بأن الفنانين ساهموا أيضا في هذه الفجوة فهم مأخوذون بتجربة فناني عصر النهضة الأوروبية وما تلاها من تجارب، نسوا جذورهم أو تناسوها، وراحوا يستلهمون تجارب الغرب؛ فضلوا الشرب من نهاية مجرى الماء على الشرب من المنبع.

إذا تتبعنا مسيرة الفن في الغرب، بدءا من اليونان القديمة إلى اليوم، لن نجد هناك فجوات، بل سنجد خطا متواصلا، رغم الاختلاف الشديد بين البدايات والنهايات، في مسيرة عرفت الكثير من الانفتاح والتأثر بتجارب شعوب أخرى.

التقليد أنواع، يبدأ بنسخ العمل الفني حرفيا، وينتهي بتقليد الأسلوب. وهو في ذلك يختلف عن الاستلهام. الفنان الغربي استلهم تجارب الشعوب الأخرى، تكعيبية بيكاسو استلهمت الأقنعة الأفريقية، وماتيس استلهم أجواء شمال أفريقيا، وغوغان عكس في أعماله أجواء جزر تاهيتي. ولكنّ أيا منهم لم يقتلع من جذوره، كما هو الحال مع الفنان العربي. معظم الفنانين العرب لم يستلهموا تجارب أوروبا، بل نسخوا أساليب الفنانين في أوروبا، وحاولوا تقليد مشيتهم.

هناك تفسيران لما حدث، يرى أصحاب التفسير الأول أن رسم الإنسان غير مباح، أو ربما هو محرم، في الإسلام. وكان لهذا تأثيره على الفنون الإسلامية،  وعلى العمارة الإسلامية، التي استخدمت زخارف نباتية، وليس صورا لأشخاص أو حيوانات.

وهذا أدى إلى انتشار الفن الزخرفي عبر أشكال وأنماط هندسية. والإسلام، حسب هؤلاء، حظر تصوير الإنسان والحيوان، لأن في ذلك مضاهاة لخلق الله.

التفسير الثاني، يرى في فترة الاستعمار التركي على امتداد أربعة قرون سببا لتجمد الفنون وعدم تطورها، حتى فن المنمنمات الذي ازدهر في العصر الفارسي والعباسي، وأيضا في ما يعرف بالمدرسة المغولية، شهد تراجعا في فترة الحكم العثماني.

النهوض بالفن في العالم العربي يتطلب في الدرجة الأولى نهوضا بمستوى النقد الفني، وهذا لا يمكن أن يحدث بجهود فردية فقط، بل لا بد من جهود تبذل على مستوى الدول، وهنا تلعب وزارات الثقافة ومؤسسات التعليم دورا هاما، حتى تعود إلى الغراب مشيته الطبيعية.

14