قصة ثلاث نساء ورجل يرفضون مغادرة السجن

"النفس" مسرحية تونسية توثق شهادات سجينات من قاع مظلم للمخرجة والممثلة التونسية دليلة مفتاحي.
الجمعة 2020/08/14
المسرحية مليئة بالإسقاطات

السجن عالم قاس ومظلم فيه تتعرى الأنفس البشرية وتكشف عن أكثر مناطقها عنفا أو ألما وحزنا وندما، وغيرها من المشاعر المتناقضة. إنه عالم غريب مشحون وموح بالإبداع. وكثيرة هي الروايات والقصص والقصائد التي كتبت في السجن أو الأعمال الغنائية والفنية التي خرجت من هناك. ومؤخرا اقتحم المسرح المؤسسة السجنية لمساعدة المساجين لتحقيق الإصلاح والتوعية، ولمرافقتهم وإبلاغ أصواتهم.

الحمامات (تونس) – على ركح مسرح الهواء الطلق تابع جمهور الفن الرابع، ضمن تظاهرة سهريات صيف 2020 بالحمامات أخيرا، عرض مسرحية “النفس” للمخرجة والممثلة التونسية دليلة مفتاحي.

بإضاءة خافتة وديكور أسود داكن مقيت يعكس السواد والظلام الذي تعيشه السجينات وسط زنزانتهن، انطلقت مسرحية “النفس” التي تسرد قصة ثلاث نساء ورجل قادتهم قساوة الحياة وظلم المحيط إلى خلف القضبان ليدفعن ثمن سذاجتهن في مجتمع لا يرحم ولا يتسامح مع الأخطاء حتى وإن لم تكن مقصودة.

قراءة نفسية

في قراءة اجتماعية نفسية، ذهبت مسرحية “النفس” بعيدا في تقديمها لمعاناة السّجناء، أربعة مساجين، ثلاث نساء ورجل، عليهم أحكام تتراوح بين مئتي سنة ومؤبد وإعدام.

شخصيات منكسرة، تتذكر، تحلم، تتخاصم، ليست إلا مجرّد أرقام في سجلاّت السجن، ذاك العالم المظلم، في عزلة عن العالم الخارجي المضيء، لم تزدهم قساوة تعامل السجانين معهم إلا كرها لبعضهم البعض تارة وتوددا وانسجاما تارة أخرى.

ذهبت “النفس” عميقا بحفرها في نفسيّة السّجينات الثّلاث خاصة في لحظات التّداعي والشّروع في سرد آلامهنّ ومآسيهن وأحزانهنّ وقصص حبّهنّ والشروخ العديدة التي طالتهن وبقيت كوشوم في أرواحهنّ.

بعد أحداث جانفي 2011، تطل عليهن السجّانة بخبر صدور عفو على السجينات الثلاث، ولكنهن يرفضن هذا العفو، يرفضن مغادرة السجن، يرفضن الحرية، ويتخيّرن الحياة السجنية على الخروج للسجن الأكبر “سجن الحياة”، رغم فتح البوابات لم يغريهنّ “نفس” الحرية.

ومسرحية “النفس” عن نص لطاهر الرضواني، وإنتاج فرقة مدينة تونس وتمثيل ريم عبروق وليلى الرزقي وليلى الطرابلسي وعبير الصميدي وكمال الكعبي.

حوارات عنيفة

 اختيار تاريخ 2011 لإطلاق سراح السجناء لم يكن اعتباطيا حيث فيه دلالة واضحة على تاريخ الثورة التونسية
 اختيار تاريخ 2011 لإطلاق سراح السجناء لم يكن اعتباطيا حيث فيه دلالة واضحة على تاريخ الثورة التونسية

إثر نهاية العرض كان للمخرجة دليلة مفتاحي لقاء بمجموعة من الصحافيين، إذ أكدّت على أن عرض الحمامات هو الأول أمام الجمهور بعد تجربة عمل في السجون دامت ثلاث سنوات تعايشت فيها مع النزيلات واستوحت العمل من قصص سجينات حقيقيات وجدن أنفسهن وراء القضبان “دون ارتكاب جريمة بالمعنى الحقيقي للكلمة” ورفضن الخروج من السجن بعد صدور عفو في حقهن.

وأضافت أن قصص السجينات بقيت محفورة في ذاكرتها إلى أن جاءت الفرصة لتقترح الفكرة على الكاتب طاهر الرضواني الذي حوّلها إلى نص مسرحي تحت إشرافها وتبنت مديرة فرقة مدينة تونس منى نورالدين هذا العمل وتكفلت بإنتاجه رغم الصعوبات المادية التي تمر بها الفرقة.

وسبق للصحافي التونسي رمزي العياري أن كتب حول العرض بأن “الحوار بين أبطال المسرحية يبدو في مستواه السطحي ملامسا لحياة السجن والسجناء، وعلاقتهم مع السجّانين، وما يتعرضون له من انتهاكات وعنف هاتك لكرامة الإنسان، وغياب تام للأدوات الضرورية للسجين حتى ينعم بالحدّ الأدنى من الأمن والسّلامة، وأيضا غياب كل نشاط تأطيري وتأهيلي للسجناء يساعدهم في ما بعد على استنشاق نفس الحرية من جديد”.

والحوار فعلا كان أداة مهمة في كشف تفاصيل حياة السجينات وفي خلق جو من الضحك الأسود ولكنه أيضا كان كاشفا لحجم الاضطراب الذي تعاني منه هذه الشخصيات، اضطراب في المشاعر بين الكره والمحبة وفي الأفكار بين الثورة على الظلم والاستكانة واليأس.

وأضاف العياري “ذهبت مسرحية ‘النفس‘ عميقا بحفرها في نفسيّة السّجينات الثّلاث خاصة في لحظات التّداعي والشّروع في حكي آلامهنّ ومآسيهن وأحزانهنّ وقصص حبّهنّ والشروخ العديدة التي طالتها وبقيت كوشوم في أرواحهنّ. وفي هذه اللحظات، تدخل الخشبة في عتوّ آخر وهو الكوميديا السوداء حيث الضحك الموسوم بالحزن والألم، ‘كثر الهمّ يضحّك‘، وهنا لا يجد المتفرج من حيلة سوى التضامن الإنساني مع هذه الشخصيات المتألمة والمكلومة فكما يقول الشّاعر: قد نلتقي في الحزن أكثر”.

تقول إحدى السجينات التي رفضت بدورها الخروج من السجن “خرت منذ ذاك العام، خرجت من دنياهم من انتخاباتهم، من السجن الذي سجنوني فيه منذ يوم ولادتي”.

وتواصل في حديثها لزميلتها في الزنزانة بعد كل هذا الكم من الأسى، تنقلب إلى شيء من الكوميديا السوداء “نصيحة مني لوجه الله اذهبي للنوم”، وكأننا أمام نوع من الخنوع والاستكانة.

ويتخلل المحادثات والحوارات التي كان أغلبها محملا بالكثير من العنف، بعض الحركات الشبيهة بالرقصات، وكأننا بها أجساد تحاول أن تلين وتتحرر، لكن يفشل ذلك صدفة وتتوقف الموسيقى ويعود الحوار المتشنج من جديد.

“النفس” غاصت عميقا في نفسيّات السّجينات أحيانا، قد يمعن الحوار في القسوة بين السّجينات لكنه قشر سميك يستبطن رأفة وتكاتفا وتضامنا في ما بينهنّ لأنّ السّجن كفيل بإعادة تفكيك وترتيب العلاقات الإنسانية وهذا ما حدث خلال مسرحية  النّفس”.

إن اختيار تاريخ 2011 لإطلاق سراح السجناء لم يكن اعتباطيا حيث فيه دلالة واضحة على تاريخ الثورة التونسية، حيث ثار الكثيرون ضد سجن النظام وتسلطه وظلمه وظلامه، لكن الشعب المنهك أبى أن يتحرر وعاد الظلم ليتسيد شيئا فشيئا الواقع التونسي، وكأن الجراح التي ملأت أرواح التونسيين وخاصة النساء ترفض أن تندمل وأن تشفى لأجل المستقبل.

14