قصة حب بدأت في كندا وقضت نحبها في السعودية

الأربعاء 2014/04/16
لوحة "ذكريات كثيرة" للفنانة التشكيلية الكويتية سوزان بوشناق

رواية “أحببتك أكثر ممّا ينبغي”، للكاتبة السعودية أثير عبدالله النشمي، والصادرة عن دار “الفارابي للنشر” تحكي قصة حب بدأت فصولها بكندا وقضت نحبها بالسعودية، بعد أن طلب عزيز يد البطلة هيفاء من أهلها في الرياض، ثمّ خذلها في اليوم التالي مغيّرا رأيه وهو يضحي بالحب في سبيل حريته. “أحببتك أكثر مما ينبغي” رواية تأتي بعد عملين سابقين هما “فلتغفري” و”في ديسمبر تنتهي كل الأحلام”.

أثير عبدالله النشمي، روائية سعودية مقيمة بالرياض، من مواليد سنة 1984. تتميز كتاباتها بملامح خاصة، وأسلوب نابض بالتشويق. أناملها التي تترجم مشاعر مرهفة، تمكنّت من كتابة أكثر من وجع، أكثر من امرأة، تبشّر بروائية معطاءة وبروايات مثيرة للاهتمام قد تفاجئنا بها مستقبلا.

يقال لا يُعرَف مضمون الكتاب من عنوانه، لكن ليس عندما يتعلّق الأمر بهذه الرواية، “أحببتكَ أكثر مما ينبغي وأحببتني أقل مما أستحق”، هو عنوان يختصر قصة تروي وجعا أنثويا تحمله جمانة العاشقة التي وقعت في غرام “عزيز” الرجل الخطأ الذي آلمها بخياناته، وكانت تغفر له كل مرة فقط لأنّها تحبه، الرواية تروي حالة من الضعف والاستسلام التام للحب، وحالة الغياب الكلي للعقل التي يعيشها بعض الناس في وضعية إدمان قاتلة فقط لانتشال ما تبقى من الحب.


بيئة مغلقة


أبعد من الحب كتبت الروائية السعودية عن البيئة المغلقة التي يترعرع فيها حُبٌ تكبله التقاليد في بلدٍ لا يزال يرى في الحب خطيئة وجريمة، نقَلت للقراء كيفَ تعيش العاشقة حبها في الخفاء دون أن تهاجم المجتمع، أو تلعن ذكوريته على لسانِ بطلة لا يفارقها الحنين وهي تعيش غربتها في كندا، تحملُ في قلبها الجانب الجميل للمدينة وأهلها، لا تكنّ البغض حتى لأشقائها الذين يحكمونها بذكوريتهم وتتفهم طبيعة معاداتهم للحُب.

أثير كتبت وأصابعها تحت رقابة المجتمع السعودي خوفا من أن تخسر محبة أفراده أو ربما احتراما للعادات

لكن البطلة في الوقتِ ذاته تعلن امتعاضها من هذه العادات على لسانِ بطلة ثانوية “هيفاء” الطالبة الكويتية التي تشاركها الغرفة، حيث تقول للبطلة في أحد الحوارات: أنا لن أحب سعوديا، خليجنا واحد وعزيزنا واحد، في تلميح مباشر إلى أنّ كل خليجي يسكنه رجل يشبه “عزيز”.

شخصية البطل هي نموذج لشخصيات كثيرة في عالمنا الواقــعي، فهو سعـــودي مقيم في كندا منذ عشر سنوات، مغترب بجينات سعودية، يجد متعته في الشرب وحضور الحفلات الصاخبة والارتباط بأكثر من امرأة من أجل المتعة، وعاشق يحب امرأة يرى فيها طهرا يستفز مجونه، يريدها كما تعوّد من نساء بلده، امرأة عذراء، تعامله على أساس “سي السيّد”.

كتاب نجح في ترجمة مشاعر شخصياته

فهو يرى أنّ رجولته تكمن في إذلالها وكسرها كلّ مرة، يخاف أن يخسرها كما يخاف أن يخلص لها، يخاف أن تتركه كما يخاف أن يخسر حريته وهو يرتبط بها.

نجحت الروائية أثير في ترجمة مشاعر كلّ شخصيات روايتها، برعت في وصف الأبعاد الجسمانية والكشف عن الانفعالات النفسية، قدّمت الحب بلغة شاعرية مرهفة حتى تشعر أنّها كانت تمارس البكاء وهي تكتبُ كل فصل، لكنّها أهملت جانب المكان في الرواية، راحت تصف بعض المنازل، أو الشقق دون إقناع القارئ بالأحداث التي وقعت في كندا، ليس هناك ما يدلّ على أنّ الأبطال أقاموا بكندا، ولا حتى أن الكاتبة زارت المدينة التي كانت تتحدّث عنها.


أسلوب الرسائل


كتبت أثير روايتها، بأسلوب بسيط ومطوّل، يصلح عادة للرسائل والحوار، كما أنّه كان مسلّطا على المخاطب، كأنّ الرواية رسالة طويلة كتبتها جمانة إلى عزيز. أسهبت في كثير من النصوص في سرد خيبة أمل البطلة في عزيز، حتى يشعر القارئ وكأنّه يقرأ خطابات مكررّة ويستعجل الكاتبة كي تنتقل به إلى الحدث التالي.

استخدمت الكاتبة تقنية الفلاش باك (الاسترجاع الزمني) الذي يتقدّم ويتأخر، قد تسردُ الأحداث ثمّ تعود للحديث عن ذكريات مضت دون أن تشوش على القارئ، أمّا المخطط الذي قدّمت به الرواية فيمكن أن يقال أنّه كان دائريـــا لأنّ الكــاتبة تبدأ الرواية بنص فيه عتـــاب وكأنّها تعلن النهاية من البداية.

تقول أثير عبدالله النشمي: “البدايات الجديدة ما هي إلاّ كذبة، كذبة ونصدقها، لتخلق أملا جديدا يضيء لنا العتمة، فادعاء إمكانية بدء حياة جديدة ليس سوى مخدّر نحقن به أنفسنا لنسكن ألامنا ونرتاح.. أحببتك أكثر مما ينبغي، أحببتني أقل مما أستحق”. وهي تفككّ الذكريات بين لقاء، وآلام، ذكريات مواعيد غرامية.

إمكانية بدء حياة جديدة ليست سوى مخدر نحقن به أنفسنا لنسكن ألامنا ونرتاح

غير أنّ النشمي لا تقنع القارئ، بفكرة أن ترتبط عاشقة بعلاقة حب لمدة أربع سنوات دون أن تمنحه قبلة واحدة، وهما يختليان معا في أكثر من مناسبة مرة في بيته، مرة في السيارة، وأحيانا في المقاهي، فلو كانت العلاقة عن بعد، ربما كان القارئ يقتنع بفكرة الحُب العذري أكثر.

هنا تبدو أثير كأنها كتبت وأصابعها تحت رقابة المجتمع السعودي خوفا من أن تخسر محبة أفراده، أو ربما احتراما للعادات التي نشأت عليها، ربما أرادت للبطلة أن تحمل قيمها ككاتبة وإنسانة. تبقى الإجابة بحوزة الكاتبة وحدها.

14