قصة حوارات

السبت 2016/12/24

في سنة 2001، كنتُ مدعوا للمشاركة في مؤتمر عربي حول المكتبات بالشارقة. في خضم أشغاله، اختلستُ ساعة لكي أزور مقر جريدة الخليج. طلبتُ الشاعر أحمد فرحات الذي كان يرأس حينها القسم الثقافي للجريدة. كان عليّ أن أنتظره في بهو الاستقبالات حسب نظام المؤسسة ولأنني أيضا حللت دون موعد. نزل فرحات بعد حوالي عشرين دقيقة.

لم يكن يعرفني وكنتُ أعرف عنه القليل. اقترحتُ عليه فكرة إعداد حوارات مع شعراء وكتاب من العالم. أعجبته الفكرة، وسمح لنفسه بالإخلال بنظام الجريدة، حيث دعاني إلى التعرف على بقية زملائه بالقسم الثقافي.

بعد رجوعي إلى المغرب، كان عليّ أن أشتغل بشكل جدي على الموضوع، إذ أن اقتراحي كان فكرة فقط. ولعلها تمخضت أثناء العشرين دقيقة التي استغرقها انتظاري لفرحات؛ الكثير من مشاريعي توَلَّدت بهذه الطريقة قبل أن أعود إلى بلورتها.

كان ممتعا أيضا أن أعود إلى إحياء الكثير من صداقاتي الشعرية المتفرقة عبر العديد من الجغرافيات الثقافية المختلفة.

خلال السنة نفسها، كنتُ بمدينة تروا رفيير الكندية، في إطار جولة الشعراء التي نظمتها مجلة آر لوسابور الرفيعة. في عشاء جمعني برئيسة تحرير المجلة جوهان بِلونجيي وزوجها، ببيتهما، تحدثنا بخصوص الحوارات التي أنجزها، فاقترحتْ عليّ أن تخصص لي ركنا ثابتا بالمجلة. هكذا صارت حواراتي تنشر بصيغتها العربية في الخليج وبالفرنسية في مجلة آر لوسابور. كما نشر بعضها في مجلات عربية، ومنها الكرمل ونزوى. وهو الأمر الذي استمر سنوات، إلى أن أوقفتُه بعد أن دخلتُ تجربة أخرى في الحياة وفي العمل.

مع توالي الحوارات، صارت تتآنس أصواتٌ شعرية تنتمي إلى جغرافيات ولغات وأجيال مختلفة من خارج العالم العربي، تنتمي إلى أكثر من أربعين دولة. يجمعُها انتصارُها للقصيدة وللرغبة في إعادة كتابة تفاصيل العالم والحياة اليومية الإنسانية كلٌّ بطريقتها. كما شكلت، على الأقل بالنسبة إليّ، معبرا لإعادة اكتشاف المشتَرك الإنساني على مستوى الوعي بالقصيدة، وعلى مستوى وظيفتها المفترضة داخل سياقات جغرافية متباينة، وأيضا لتبين مستويات معرفة شعراء مازالوا يتخيلون الشرق، كنايةً على العالم العربي، كما لو أنه فصل من حكاية أسطورية لم تنته بعد. ولذلك كان عاديا ألا تتجاوز أجوبتهم بخصوص معرفتهم بالثقافة العربية، في أغلب الأحوال، حديثهم عن إعجابهم بألف ليلة وليلة وبرباعيات الخيام!

أغلب الشعراء الذين شملتهم الحوارات تربطني بهم صداقات عميقة. دخلتُ بيوت بعضهم، بدعوة منهم، وشاركتهم الطعام. وإذا كان أغلبهم يجهلون الثقافة العربية، فإنهم يمتلكون أيضا الرغبة في الحوار والتعلم، كما يبدون الكثير من التعاطف مع هذه الثقافة ومع قضاياها.

حظي نشر الحوارات أيضا باهتمام الشعراء أنفسهم. وأستحضر حالة دالة، حيث خصّ الشاعر الكندي ريجون بونونفو عموده الأسبوعي في مجلة رباسكا الكندية الإلكترونية لفكرة الحوار الذي كنت قد أجريته معه، حيث عنون عموده بـ”أخيرا يستطيع ابن لادن قراءة اسمي”.

كاتب من المغرب

16