قصة صعود.. وصعود التكنولوجيا الرقمية

هل من وسيلة لتلافي فجوة الذكاء الاصطناعي.
الجمعة 2021/09/03
هل سنسمح للروبوتات الذكية بدخول منازلنا؟

في بداية الألفية الثالثة تحدث العالم عن الفجوة الرقمية، واليوم تتحدث التقارير الصادرة عن منظمات دولية عن فجوة الذكاء الاصطناعي، وتتنبأ بمستقبل قاتم للاقتصادات النامية التي تعاني من شح الاستثمار وضعف البنية التحتية ونقص الكفاءات.

الشركات التي تتردد في تبني تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي أو تعجز عن فعل ذلك ستزاح جانبا أو قد تختفي نهائيا. شاهدانا ذلك يحدث منذ ثلاثة عقود مع بداية ظهور التكنولوجيا الرقمية.

المشككون، ومن بينهم أسماء كبيرة، حذروا من فقاعة التكنولوجيا. ورغم أن تحذيراتهم انعكست سلبا على قيمة أسهم شركات داخل هذا القطاع، وأدت إلى انهيار في قيمتها السوقية، إلا أن هذا لم يكن كافيا ليلقي الرعب في قلوب المؤمنين بمستقبل التكنولوجيا.

لم ننتظر طويلا لنرى خيبة الأمل مرسومة على وجوه المشككين، بينما انشغل الذين وثقوا في التكنولوجيا الجديدة بحساب أرباحهم. وكانت هائلة بكل المقاييس.

حكاية آبل

الصورة
قصة صعود

قد تكون شركة آبل التي تعرضت إلى سخرية من قبل كبار المستثمرين أفضل مثال يعكس قصة صعود وصعود التكنولوجيا الرقمية، رغم بعض الانتكاسات. من بين المشككين يرد بقوة اسم أكبر المستثمرين الأميركيين وارن بافت، الذي لم يخف نفوره من قطاع التكنولوجيا في بداية الثمانينات.

الثاني عشر من شهر ديسمبر 1980، هو يوم مميز. في ذلك اليوم جمعت آبل 100 مليون دولار من طرح أسهم الشركة للتداول (4.6 مليون سهم) بقيمة 22 دولارا للسهم الواحد. ولكن الرحلة لم تكن دون مطبات، خاصة مع تحذيرات أطلقها خبراء من فقاعة التكنولوجيا.

خلال 5 أعوام تراجعت قيمة أسهم الشركة، لتهبط قيمة سهم آبل في عام 1985 إلى أقل من دولارين. وخلال فترة التسعينات تعرضت الشركة لشبح الإفلاس.

احتاج سهم آبل إلى عشر سنوات ليعود إلى التقاط أنفاسه. في يونيو 2007 كشفت الشركة النقاب عن هاتف آيفون الذي اعتبر آنذاك ثورة في عالم الهواتف المحمولة، ليسجل السهم مستوى 17.43 دولار.

وفي العام السابق لطرح هاتف آيفون، عام 2006، بلغت مبيعات آبل 20 مليار دولار لكن في عام 2017 نمت المبيعات بأكثر من 11 ضعفا لتصل إلى 229 مليار دولار ووصلت الأرباح إلى 48.4 مليار دولار لتصبح الشركة الأميركية الأكثر ربحاً.

وكانت القيمة السوقية لشركة آبل قد وصلت إلى مستوى 904 مليارات دولار في الثامن من نوفمبر 2017 بعدما أنهى السهم جلسته عند مستوى 176.24 دولار، لتكون بذلك على الطريق الصحيح نحو سباق التريليون دولار.

خلال 37 عاما (من عام 1980 إلى عام 2017) ماذا فعل وارن بافت؟ كان يراقب قطاع التكنولوجيا وينتظر.

أكبر المشككين في القطاع أعلن في الثالث والعشرين من فبراير 2018 أن شركته “بيركشاير هاثواي” نفذت عمليات شراء أسهم في آبل أكثر من أيّ شركة أخرى خلال عام 2017، لتصل ملكيتها بنهاية العام ذاته إلى 165.3 مليون سهم ولتكون بذلك ثاني أكبر مساهم في حيازة أسهم الشركة.

وفي الثالث من مايو 2018 أعلن بافت شراءه 75 مليون سهم في شركة آبل خلال أول 3 أشهر من 2018، مشيراً إلى أنها أكثر شركة ربحية في الولايات المتحدة.

ومع إعلان بافت عن حجم تعاملاته في أسهم آبل كانت الشركة الصانعة لآيفون أول شركة تتجاوز قيمتها السوقية الإثني عشر صفرا؛ حيث وصلت إلى مستوى التريليون دولار بعد مرور 42 عاماً على تأسيسها عام 1976 على يد ستيف جوبز وستيف وزنياك. واليوم تجاوزت القيمة السوقية لآبل 2 تريليون دولار.

عودة الحرب الباردة

ما حدث في آبل تكرر مع عمالقة شركات التكنولوجيا الأميركية؛ فخلال عام 2020 حققت شركات التكنولوجيا السبع الأكثر قيمة بالولايات المتحدة ارتفاعا في قيمتها السوقية بإجمالي 3.4 تريليون دولار.

وهذه الشركات السبع هي :آبل ومايكروسوفت وأمازون وألفابت (الشركة الأم لشركة غوغل) وفيسبوك وتسلا وإنفيديا. وجاءت هذه المكاسب المذهلة رغم انتشار جائحة كورونا التي أدت إلى أزمة اقتصادية حادة.

لننْس النفط وننس الزراعة والصناعات التقليدية؛ ما كان للولايات المتحدة أن تكون القوة العظمى الأكبر لولا قطاع التكنولوجيا الذي تفوق قيمة الأسهم فيه قيمة البورصات الأوروبية مجتمعة.

ما عجز عن تحقيقه التواجد الأميركي المباشر على الأرض ستتكفل به التغيرات المناخية والفجوة التي سيخلفها الذكاء الاصطناعي

وقالت شركة أبحاث “بنك أميركا غلوبال” إن هذه هي المرة الأولى التي تتجاوز فيها القيمة السوقية لقطاع التكنولوجيا في الولايات المتحدة 9.1 تريليون دولار، مشيرة إلى أن القيمة السوقية للقطاع في دول أوروبا التي تشمل المملكة المتحدة وسويسرا تساوي فقط 8.9 تريليون دولار.

ولتأكيد أهمية الأرقام أشارت شركة الأبحاث إلى أنه في عام 2007 كانت هذه القيمة في أوروبا تساوي أربعة أضعاف نظيرتها لدى شركات التكنولوجيا الأميركية.

ما حدث خلال أربعة عقود يحدث اليوم على نطاق أوسع بكثير مع هيمنة البيانات والذكاء الاصطناعي، إلى درجة دفعت القوى الكبرى المتنافسة إلى القول إن من يتحكم في التكنولوجيا الذكية سيتحكم في العالم. وهذا يفسر أمرين اثنين؛ الأول عودة الحرب الباردة ومحورها السيطرة على التكنولوجيا. والأمر الثاني هو الخطوات التي تتخذها الإدارة الأميركية للانسحاب من بؤر التوتر، فهي حروب لم تعد مجدية عسكريا واقتصاديا.

ما عجز عن تحقيقه التواجد الأميركي المباشر على الأرض ستتكفل به التغيرات المناخية والفجوة التي سيخلفها الذكاء الاصطناعي، هذا إلى جانب عدم إدراك تلك الدول خطورة الفجوة الذكية، التي مقارنة بها تبدو الفجوة الرقمية متواضعة.

وبينما يتم الترحيب بالذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة وأوروبا والصين باعتباره تقنية ثورية قادرة على تغيير طرق عملنا، ترى فيه شعوب أخرى قوة شريرة، هي في أفضل الحالات مجرد خيال علمي.

بجب ألا نقلل من أهمية هذه النقطة بالتحديد، لقد أبدينا استعدادنا على مدى المئات من السنين لخوض حروب تتمحور حول تعليق رسم في بيوتنا، وجاهدنا لنحطم الأوثان (التماثيل)، وواظبنا على رمي الشيطان بالحجر، حتى اللباس رفضنا تغييره بذريعة الحفاظ على الهوية والدين رغم اختلاف الروايات والتفاسير.

ماذا يعني كل هذا في الواقع؟

التأخر -أو التخلف- عن امتلاك تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي سيحرمنا من جميع الموارد، بما في ذلك الموارد الريعية. لن تكون الزراعة والمناخ والطاقة بمعزل عن التغير الذي ستتسبب به التكنولوجيا الجديدة. بالطبع، هذا إلى جانب قطاع الصناعة والصحة والتعليم والأمن والدفاع والتشغيل عموما.

البدايات الأولى

الصورة
مع إعلان بافت عن حجم تعاملاته كانت الشركة الصانعة لآيفون أول شركة تتجاوز قيمتها السوقية الإثني عشر صفرا

إذا كان ما قيل حتى الآن مجرد كلام عام لا يقاس عليه، دعونا ندخل في بعض التفاصيل.

الذكاء الاصطناعي سيعزز الاقتصاد العالمي بنحو 13 تريليون دولار بحلول عام 2030، وفقًا لتقرير صادر عن معهد ماكينزي العالمي للأبحاث نشر في صحيفة “وول ستريت جورنال”.

وقارنت الصحيفة تأثيرات الذكاء الاصطناعي على الاقتصاد العالمي بالتأثيرات التي أحدثتها المحركات البخارية عام 1800 عندما ساهمت في رفع إنتاجية العمل، وتأثير الروبوتات خلال تسعينات القرن الماضي، بالإضافة إلى انتشار تكنولوجيا المعلومات، مؤكدة أن هناك العديد من العوامل التي تؤثر بشكل كبير في التغيرات التي تقودها تقنية الذكاء الاصطناعي.

وتحدثت خصوصا عن أتمتة اليد العاملة التي يمكن أن تضيف 11 في المئة أو نحو تسعة تريليونات دولار إلى الناتج المحلي العالمي بأفق العام 2030، وتؤدي إلى المزيد من الابتكارات في المنتجات والخدمات التي يمكن أن تنمّي الاقتصاد العالمي بنسبة 7 في المئة.

في المقابل هناك مخاطر تتمثل في إمكانية أن تتراجع الاقتصادات النامية عن الركب أكثر فأكثر بالنظر إلى ضعف الاستثمار والنقص المزمن في البنية التحتية الرقمية وندرة الكفاءات.

بينما يتم الترحيب بالذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة وأوروبا والصين باعتباره تقنية ثورية قادرة على تغيير طرق عملنا، ترى فيه شعوب أخرى قوة شريرة، هي في أفضل الحالات مجرد خيال علمي.

لا شك في أن الأثر الاقتصادي لتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي سيكون كبيرا، لكن هذه التكنولوجيا تطرح أيضا مخاطر بشأن تنامي الفجوة بين أولئك الذين يتبنون هذه التقنية بسرعة وبين الذين لا يتبنونها، وبين العمال ذوي المهارات التي تلائم الطلب في عصر الذكاء الاصطناعي وبين الذين لا يستوفون هذا الشرط.

ومن المخاطر الأخرى أن يتم توزيع فوائد الذكاء الاصطناعي بشكل غير متساو، وما لم يتم التعامل مع هذه التقنيات ونشرها على نحو فعال فإن من شأن عدم المساواة أن تؤجج الصراعات داخل المجتمعات.

هناك حاجة إلى ابتكارات واستثمارات كبيرة لنشر تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع في مجال الروبوتات والسيارات ذاتية القيادة والمساعدين الأذكياء، والتطبيقات المتقدمة مثل الرعاية الصحية الذكية.

كل ذلك سيحدث خلال 9 سنوات من اليوم. وخلال 150 عاما ستختفي المهن نهائيا، ستحل الروبوتات محل البشر.

الذكاء الاصطناعي سيصبح مع مرور الوقت تقنية تحول تاريخية، فهل نحن على استعداد لاستقبالها في بيوتنا؟

إننا الآن في البدايات الأولى لانتشار تقنية الذكاء الاصطناعي. ولكن نظرة إلى ما يحدث في دولنا من صراع على السلطة وحروب سببها التكفير ورفض الآخر تكفي لإثارة القلق والمخاوف.

12