قصة طبيبتين من تونس تحاربان الوباء بلا كلل

نصاف بن علية حشدت جهود فريقها لإجراء بحوث قيّمة ودراسات حول هذا الوباء وتداعياته على التونسيين، وإلهام بوطيبة توصلت لتحديد التسلسل الجيني لفايروس كورونا.
الخميس 2020/04/30
نصاف بن علية وإلهام بوطيبة حضور لافت في أزمة كورونا

تونس – عندما بدأت المخاطر تحيق بحياة التونسيين بسبب تفشي وباء كورونا برزت أصوات ستبقى راسخة في أذهان من شهدوا الأزمة التي كادت تعصف ببلادهم كما بالعالم خاصة وأن تونس التي تُكافح من أجل تحصين ديمقراطيتها الناشئة تشكو وضعا صحيا مترديا بعد أن انصرف الجميع للصراعات السياسية وظلت مؤسسات القطاع الصحي تواجه المصاعب لوحدها.

ولعل أبرز هذه الأصوات والوجوه نصاف بن علية الطبيبة التي تشرف على مرصد الأمراض الجديدة والمستجدة والتي كانت لها صرخة تشبه صرخة الأم التي تخاف على أبنائها من خطر داهم بل أبعد من ذلك فهناك من اعتبرها بمثابة القائد الحربي المتمرس في ساحة المعركة. وقد خطفت بن علية بهذه الصرخة أنظار التونسيين لها خاصة الغاضبين منهم على أداء باقي مؤسسات الدولة.

مسار مميز

بن علية التي ولدت في العام 1969 بمدينة قليبية الساحلية، كانت أولى مصافحاتها مع التونسيين على شاشات التلفزيون والإذاعات خلال المؤتمرات الصحافية المخصصة للإعلان عن المستجدات المتعلقة بفايروس كورونا المستجد في بلادها.

في الـ23 من مارس الماضي، وبينما كان التونسيون يتجادلون حول الخروقات التي قام بها بعضهم بحق الحجر الصحي الشامل الذي فرضته البلاد، خرجت بن علية لتطلق صيحة فزع حول وضع صحي خطير تنزلق نحوه تونس. ووجد نداؤها صداه لدى التونسيين حيث اهتزت مواقع التواصل الاجتماعي بمقاطع من المؤتمر الصحافي الذي عقدته وهي تحاول توعية مواطنيها وإنقاذ الخطة التي رسمها مرصدها ووزارة الصحة لكبح جماح الوباء.

صرخة بن علية تشبه صرخة الأم التي تخاف على أبنائها من خطر داهم. وهناك من يعتبرها بمثابة القائد الحربي المتمرس في ساحة المعركة

وفي حديث لـ"العرب" قالت المديرة العامة لمرصد الأمراض الجديدة والمستجدة إن "التونسيين تفاعلوا مع صيحات الفزع التي أطلقتها وفريقنا وهناك التزام بالحجر الصحي".  وأردفت "هو ليس بالالتزام التام مئة في المئة لكن هناك التزام من قبل المواطنين الواعين خاصة بعد أن فسرنا لهم أدق التفاصيل حول العزل الصحي".

تحصلت بن علية على الدكتوراه في جامعة الطب بتونس وأجرت بحوثا وماجستيرا في جامعات فرنسية معروفة على غرار جامعة بيار وماري كوري، وهي إحدى الجامعات الأعضاء في رابطة الجامعات البحثية الأوروبية. وبعد عودتها من فرنسا انضمت إلى معهد باستور في تونس، وهو مؤسسة صحية عريقة تأسست في العام 1893، ثم انتقلت لقيادة المرصد الوطني للأمراض الجديدة والناشئة في خطة مديرة عامة، ولا تتوقف مسيرة بن علية الثرية عند هذا الحد حيث واصلت بحوثها لتتوّج ذلك بدراسات متميزة في مجال الأوبئة التي مثلت تحدّيا للشعوب ولأنظمتها السياسية في السنوات الأخيرة.

وعندما كان العالم يراقب عن كثب تطورات الوضع الوبائي في مقاطعة ووهان الصينية، مهد كورونا، في يناير الماضي، حشدت بن علية جهود فريقها في المركز لإجراء بحوث قيّمة ودراسات حول هذا الوباء وتداعياته على التونسيين.

ومنذ ذلك الحين أطلقت الطبيبة الشابة وفريقها العنان بالفعل لرسم خطة تضع حداً لتفشي كوفيد - 19 ما جعل وزير الصحة التونسي عبداللطيف المكي يشيد بالمجهودات التي بذلها هؤلاء من أجل تلافي خسائر بشرية كبيرة في تونس التي لم تمانع من أجل فرض الحجر الصحي الشامل رغم الارتدادات الضخمة الناجمة عن العزل على الاقتصاد.

وبالإضافة إلى سعيها لجانب فريقها لضبط استراتيجية تخفف من تداعيات كورونا على التونسيين فإن بن علية كانت وجها بارزا من الوجوه التي شاركت في ملتقيات دولية بشأن الوباء. ففي فبراير الماضي نظم المركز الأفريقي لمكافحة الأمراض بمقر الاتحاد الأفريقي في أديس أبابا اجتماعا وزاريا طارئا تدارس الوضع الوبائي وتطوره في القارة السمراء والعالم، وكانت بن علية أبرز الوجوه التي مثّلت تونس في هذا الملتقى إلى جانب وزيرة الصحة السابقة سنية بالشيخ.

وبالرغم من البحوث التي أعدها المرصد، الذي تشرف عليه حول الوباء، إلا أن بن علية تشير إلى أنه"لا يمكن الحديث عن تكهنات بخصوص كورونا، حتى من توقع أرقاما في العالم أخطأ وجانبت هذه الإحصائيات الصواب".

وضع صحي دقيق

صرخة بن علية تشبه صرخة الأم
صرخة بن علية تشبه صرخة الأم 

سجلت تونس إصابات متصاعدة بكوفيد - 19 بالإضافة إلى حالات الوفاة، وسط تساؤلات وانتقادات بشأن خرق العزل الصحي من قبل شخصيات نافذة بالرغم من تأكيد السلطات على أن القانون سيطبق "بحزم" على الجميع. لم تتوان بن علية في توجيه اتهامات لرجال أعمال بكسرهم الحجر الصحي وتعريض حياة أقربائهم للخطر في وقت تسعى فيه السلطات الصحية جاهدة لتفادي إصابات أكثر باعتبار أن طاقة المستشفيات الاستيعابية التي لا تقدر على احتضان هؤلاء.

وطالبت في الـ11 من أبريل بفتح تحقيق بشأن عملية "تهريب رجل أعمال وزوجته من الحجر الصحي"، وتناقلت تصريحات بن علية كبرى مؤسسات الإعلام التونسية ولقيت صدى واسعا في الشارع وعلى مواقع التواصل الاجتماعي التي احتفت بجرأة المرأة.

وفي تصريح لـ"العرب"، تشدد بن علية على أن "المرصد ووزارة الصحة يتابعان الوضع الوبائي في تونس والذي ينتشر ببطء، لذلك لا يمكن التكهن بالتوقيت الذي سيبلغ فيه الذروة".

ومع تطميناتها للتونسيين إلا أن بن علية تعتمد على سياسة الترهيب والتخويف لمنع أيّ انفلات قد يطرأ على الحجر الصحي الشامل الذي فرضته بلادها.

إلى أمد غير بعيد كانت هجرة الكفاءات التونسية الهاجس الذي يقض مضجع السلطات والمواطنين على حد سواء حيث استشعر هؤلاء خطر فقدان كفاءاتهم لمصلحة دول متقدمة على غرار فرنسا.

تونس تزخر بكفاءاتها دائما، كما تقول بن علية، التي تضيف «حتى وإن غادرها البعض فإن الغالبية ستبقى لتساهم في بناء البلاد وتطوير قطاعها الصحي»

وجعل نزيف الكفاءات تونس ترزح تحت تراجع البحث العلمي الذي له دور بارز في مثل هذه الأزمات الصحية. وحسب تقرير التنمية البشرية في العالم العربي لسنة 2016 تحتل تونس المرتبة الثانية عربيا في تصدير الكفاءات العلمية إلى الخارج. وقد غادر نحو 95 ألف تونسي البلاد 78 في المئة منهم من الجامعيين، وتقدر إحصاءات رسمية أن 1500 طبيب تمت استمالتهم للعمل خارج البلاد.

وتنامى منذ سنة 2011 عدد التونسيين من ذوي الاختصاصات المعنية مباشرة بالقطاع الصحي كالطب والصيدلة الذين يفضّلون العمل بالخارج بعد أن تكوّنوا في تونس ومنهم من يهاجر نهائيا.

وفي الواقع تونس ليست استثناء في هجرة الأدمغة حيث فوجئ الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على سبيل المثال عند زيارته لمخبر الدكتور ديدييه راوول في وقت سابق بوجود طلبة متربصين ومساعدين للدكتور من جنسيات مختلفة لبنانية وتونسية.

 ويجمع العديد من الأخصائيين أن إفراغ تونس من الكفاءات الصحية قد تكون له عواقب وخيمة على مستقبل هذا القطاع خاصة عند المحن كالأزمة الصحية التي اجتاحت البلاد.

ولكن بن علية لا تسايرهم في آرائهم حيث تقول بنبرة واثقة من إمكانيات بلادها إن «تونس تزخر بكفاءاتها دائما، حتى وإن غادرها البعض فإن الغالبية ستبقى لتساهم في بناء البلاد وتطوير قطاعها الصحي، لأن المقاربة الأنجع للإبقاء على كفاءاتنا في تونس هي توفير كل الظروف المواتية لعملهم» في إشارة إلى المخابر والمستلزمات الطبية وغيرها.

إلهام بوطيبة طبيبة تكشف مع فريقها شيفرات كورونا

بوطيبة أكاديمية بملامح الأم الطيبة وبشخصية المثقفة التونسية
بوطيبة أكاديمية بملامح الأم الطيبة وبشخصية المثقفة التونسية 

 أزاح الأطباء والمختصون السياسيين والفنانين وغيرهم من المشاهير من المنصّات الإعلامية التونسية وفرضوا حضورهم متربعين على عرش هذه الوسائل التواصلية في زمن وباء كورونا ليحصدوا نسب المشاهدة العالية. فالجمهور غيّر بوصلة اهتماماته وبات يتابع تصريحات المختصين في الطب ومجالات الصحة بأنواعها ويلاحق أخبار انتشار الفايروس المستجد في أدق تفاصيلها بما فيها التقنية التي يستعصي فهمها على المواطن العادي.

من بين النجوم الجدد الذين ينالون حظوة لدى التونسيين ويحصدون الإعجاب الطبيبة والباحثة إلهام بوطيبة رئيسة قسم المختبر المرجعي للتحاليل الجرثومية بمستشفى شارل نيكول بالعاصمة التونسية والذي توصل الفريق العامل فيه تحت قيادتها لتحديد التسلسل الجيني لفايروس كورونا المستجد.

إنجاز علمي

بكلمات بسيطة ومفردات مفهومة، شرحت بوطيبة النتائج التي توصل إليها فريقها مستعينة برسم بياني خلال استضافتها في نشرة الأخبار الرئيسية على التلفزيون التونسي. تكمن القيمة العلمية لهذا الإنجاز في كونه يعتبر الخطوة الأولى للسير على طريق فهم نوعية الفايروس المستجد إذ يساعد في عملية جمع معلومات بشأنه في تونس ومقارنته بالأنواع الأخرى المنتشرة في بقية دول العالم إلى جانب معرفة طرق تنقله بشكل أكثر دقة.

عملية تحديد التسلسل الجيني لفايروس كورونا الموجود حاليا في تونس تمت من خلال تحليل واختبار ثلاث عينات فقط. وتؤكد بوطيبة أن ما تم الإعلان عنه ليس سوى جزء من مسار ما يزال متواصلا

بوطيبة التي ولدت في الـ27 من ديسمبر 1967 في العاصمة تونس متزوجة من طبيب الأطفال التونسي زبير بن بوبكر. وهي ابنة المدرسية العمومية في تونس ولها تدين بفضل تكوينها حيث درست فيها في مختلف المراحل بداية من الابتدائية في مدرسة جان دارك، ثم الثانوية في معهد نهج روسيا، الذي أنهت دراستها به بحصولها على الباكالوريا وهي شهادة الثانوية العامة في تونس بنتائج متميزة مكنتها من دخول كلية الطب بتونس. حققت إلهام بوطيبة نتائج لامعة طيلة دراستها الجامعية فنجحت في اختبار التبريز في الطب لتصيح أستاذة مبرزة في اختصاص البيولوجيا.

حصدت الدرجات العلمية لتصل إلى منصب رئيسة مختبر البحث حول مقاومة المضادات الحيوية بكلية الطب بتونس الذي تشغله حاليا إلى جانب وظيفتها في المختبر المرجعي للتحاليل الجرثومية بمستشفى شارل نيكول.

الصف الأمامي

احتفى التونسيون بمجرد إعلان وزير الصحة عن توصل المختبر المرجعي للتحاليل الجرثومية بمستشفى شارل نيكول إلى تحديد التركية الجينية لفايروس كورونا. فخر واعتزاز بالكفاءات العلمية التونسية واحترام وتقديرات للوجوه النسائية التي تقف في الصف الأمامي من المعركة حامية الوطيس التي تخوضها تونس ضد تفشي كوفيد - 19، هذا باختصار كان مضمون تعليقات التونسيين في مختلف شبكات التواصل الاجتماعي ومحتوى ردود فعلهم مع تلقيهم خبر ما سموه "اكتشافا" و"إنجازا علميا هاما".

بوطيبة هذه الأكاديمية التونسية بملامح الأم الطيبة وبشخصية المثقفة التونسية التي صقل ثناياها كل ما تحقق للمرأة في هذا البلد الذي يؤكد في كل مناسبة أنه استثناء فيما يتعلق بمكاسب نسائه، في أولى مناسبات ظهورها الإعلامي غلبتها صفة الباحثة ودقتها في استعمال المصطلحات والتعابير فأصلحت ما شاع خطأ حول إنجاز المختبر المرجعي للتحاليل الجرثومية بمستشفى شارل نيكول لتؤكد أنه "لم يتم اكتشاف التسلسل الجيني للفايروس بل تم تحديده" موضحة أهمية هذا الأمر في جمع معلومات حول الفايروس وبالتالي فهم نوعه.

وكشفت عن أن عملية تحديد التسلسل الجيني لفايروس كورونا الموجود حاليا في تونس تمت من خلال تحليل واختبار ثلاث عينات فقط، كما بينت أن ما تم الإعلان عنه ليس سوى جزء من مسار ما يزال متواصلا في المختبر الذي تشرف على تسييره بهدف الوصول إلى النتيجة النهائية الدقيقة.

انجاز علمي هام
انجاز علمي هام

وفي مراحل لاحقة من تقدم الأبحاث المخبرية حول فايروس كورونا في تونس والقيام بالمزيد من التحاليل للعينات المصابة، من المتوقع أن تتغير جينات الفايروس لاسيما أن العينات التي تم اختبارها إلى حد الآن قادمة من مصر وتركيا.

الأبحاث الأولية التي يعمل عليها المختبر المرجعي للتحاليل الجرثومية بمستشفى شارل نيكول وصلت إلى أولى الحقائق حول فايروس كورونا الموجود في تونس والمتمثلة في وجود شبه بينه وبين الفايروس المنتشر في الولايات المتحدة والذي يختلف عن الفايروس الموجود في الصين.

"مكسب علمي كبير تفخر به تونس"هكذا وصف وزير الصحة التونسي هذه النتيجة الأولية عند توجيهه الشكر للدكتورة إلهام بوطيبة وكامل فريقها. فيما وجهت الدكتورة بوطيبة الشكر والتقدير لكل أعضاء فريقها اعترافا بتضحياتهم من أجل أداء واجبهم وعلى جهودهم في سبيل فك شيفرة الفايروس الذي ما يزال يحتفظ بأسراره، مواجهين أعتى التحديات وخطورة الوضع وتخصيصها بالذكر كأحد أعضاء الفريق فهي إطار شبه طبي ولم تبال بحملها وواصلت أداء مهمتها إلى حين اقتراب موعد ولادتها. بذلك أعطت إلهام بوطيبة مثالا عن رئيسة العمل التي تعترف بجهود فريقها وبتضحيات أعضائه ولا تنتهز الفرص للظهور في صورة البطلة التي حولها وحدها تدور أحداث القصة.

جنود الجيش الأبيض الذي يحارب انتشار الوباء
جنود الجيش الأبيض الذي يحارب انتشار الوباء

زخم الأبحاث العلمية والأكاديمية الذي عاشته الدكتورة بوطيبة تخللته إسهامات بارزة في العديد من الدراسات والمقالات العلمية في مجال اختصاصها ومن بينها مشاركتها ضمن فريق الأطباء والعلماء الذين شاركوا في تجميع البيانات من أجل إعداد تقرير النظام العالمي لمراقبة مقاومة الميكروبات لعامي 2016 و2017 الذي نشرته منظمة الصحة العالمية.

وجاء هذا التقرير في إطار البرنامج العالمي لترصد مقاومة مضادات الميكروبات الذي أطلقته منظمة الصحة العالمية والهادف لتوفير قاعدة بيانات تساعد في عملية صنع القرار ودعم الاستراتيجيات المحلية والعالمية للتعامل مع عبء مقاومة مضادات الميكروبات.

ومن بين أهداف البرنامج العالمي تجميع المعلومات السريرية والمختبرية والوبائية الخاصة بمسببات الأمراض والعمل من أجل التنفيذ المبكّر لنظام الترصد الذي يركز على البكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية.

 ومحليا، كان لبوطيبة مشاركات قيمة في إنجاز أبحاث علمية بالغة الأهمية من بينها دراسة تونسية تتعلق بمعدل الانتشار ومقاومة المضادات الحيوية المكتسبة وإنتاج البكتيريا للمكورات المعوية، والتي أظهرت نتائجها بعد فحص العشرات من المنتجات الغذائية المخمّرة مستويات عالية من التلوث بالمكورات المعوية.

إلهام بوطيبة وجه من وجوه تونس في زمن كورونا وسيرة بين أسطرها تسرد قصصا وحكايا لجنود الجيش الأبيض الذي يحارب انتشار الوباء.

12