قصة طلاب تونسيين نفاهم النظام إلى الصحراء

رواية "الطريق إلى محتشد رجيم معتوق" تكشف معاناة معتقل ناء للتجنيد العقابي لتدفع بالوعي الجماعي التونسي إلى استحضار فصول من تاريخه.
الجمعة 2020/01/24
صورة حقيقية لشخصيات روائية

تونس- مئات الطلبة من تيارات فكرية مختلفة، اعتقلتهم السلطات التونسية في عهدي الرئيسيْن الراحلين الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي، واستبعدتهم إلى منفى بمنطقة نائية في تجنيد عسكري عقابي، سعيا إلى إخماد احتجاجات طلابية.

رحلة معاناة إلى معتقل ناءٍ للتجنيد العقابي استعرضها الروائي والشاعر التونسي عمار الجماعي، في روايته الجديدة “الطريق إلى محتشد رجيم معتوق”.

وتروي الرواية، الصادرة مؤخرا عن دار “ورقة” للنشر بتونس، تجربة اعتقال عاشها الراوي صحبة مجموعة من رفاقه في منفى بمنطقة “رجيم معتوق” النائية بأقصى جنوب الصحراء التونسية، في أواخر عهد الحبيب بورقيبة (حكم من 1956 إلى 1987).

و”رجيم معتوق” تقع على بعد 120 كلم عن مدينة قبلي قرب الحدود التونسية الجزائرية، قد أقيمت فيها ثكنة عسكرية، اعتقل فيها المئات من الطلبة من قبل النظام التونسي زمن حكم بورقيبة وبن علي في ثمانينات القرن الماضي.

عمار الجماعي؛ كاتب الرواية واحد من أبطالها في نفس الوقت تم تجنيده بطريقة قسرية، عام 1987، عندما كان طالبا في السنة الثانية من المرحلة الجامعية في اختصاص الأدب العربي، وذلك لمعاقبته على خلفية خطاب ألقاه في ساحة جامعة منوبة بالعاصمة، انتقد فيه نظام بورقيبة ووصفه بـ”القمعي” و”الظالم”.

“جرأة” ترجمت مسعى مبحث الانعتاق من الدكتاتورية التي كانت نقطة تلتقي فيها، آنذاك، جميع مشارب الفكر والأيديولوجيات في الجامعة التونسية.

رواية تسبر أغوار تجربة الاعتقال
رواية تسبر أغوار تجربة الاعتقال

الجماعي وجد في الكلية مناخا مثمرا ورحبا للحرية ليعبر فيه عما يخالج ذاته وما يعتمل في قريحته، مما جعله يلعن الحاكم بطريقة مباشرة كلفته أشهرا من حياته في المنفى.

وتسبر الرواية أغوار تجربة الاعتقال التي انطلقت في البداية بسجنه في سراديب وزارة الداخلية وسط العاصمة وتعذيبه، مرورا بمرحلة ثانية في الإصلاحية العسكرية بمنطقة “قرعة بوفليجة” في صحراء محافظة قبلي، جنوب تونس، حيث وقع تدريبه بطريقة قاسية ولا إنسانية، وصولا إلى مرحلة ترحيله إلى معتقل رجيم معتوق الصحراوي حيث بدأت المعاناة.

لا تجسد الرواية معاناة كاتبها فحسب، وإنما تجسد كذلك معاناة آخرين مثله، حيث توثّق لمرحلة من تاريخ تونس بعد الاستقلال (1956)، وعرت وجهها الدكتاتوري بطريقة سردية متقنة تمكّن من خلالها الكاتب من رصد تفاصيل الحكاية الواقعية بشكل فني.

دخل الراوي المعتقل في ربيع عام 1987 قبل أشهر من انقلاب بن علي على نظام بورقيبة، في 7 نوفمبر من نفس العام، وخرج منه عقب حصوله على عفو خاص. الجماعي وصف المعتقل بـ”المنفى الصحراوي الذي كانت تغيب عنه جميع مقومات الإنسانية”.

ووفق الرواية، كان المعتقل مقسما بحسب الأيديولوجيات، فكانت هناك خيام تجمع الطلبة الإسلاميين وخيام أخرى تجمع اليساريين من تيارات ماركسية مختلفة، وبعض القوميين وجماعة “الحياد” غير المنتمين مثل راوي القصة.

المعتقل شكل مزيجا وفسيفساء فكرية من جيل حاول أن يرث بورقيبة عبر مفاهيم متصارعة ولكنها منسجمة في هدف التغيير.

عمار الجماعي لم يكن منتميا إلى أي تيار سياسي، وإنما كان يرفض طغيان النظام واحتقاره لأهل الجنوب وتهميشهم، وهو المنحدر من منطقة الحامة بمحافظة قابس جنوب شرقي البلاد.

الرواية لم تقتصر على تجربة الراوي فقط، وإنما تتطرق إلى علاقته الإنسانية والشخصية ببعض الطلبة ممن كانوا رفاقه في الكفاح، وأصبحوا من بعدُ سياسيين بارزين على غرار شكري بلعيد، القيادي اليساري الذي اغتيل عام 2013، وسالم الأبيض، النائب عن حركة “الشعب” ومحسن مرزوق، رئيس حزب “مشروع تونس”.

كما أراد الراوي من خلال الحديث عن تجربته أن يكرم رفاقا له أغفلهم التاريخ مثل حمادي حبيق الذي وصفه بـ”شهيد الحركة الطلابية”، حيث توفي عطشا في الصحراء خلال محاولته الفرار من المعتقل حينها.

رواية تدفع بالوعي الجماعي التونسي إلى ضرورة استحضار فصول قريبة من تاريخه فيها، تمازج بين السياسي والاجتماعي والثقافي.

14