قصة عجوز خذلها ينبوع الشباب

الأحد 2016/01/17

قصة قديمة كانت تضحكنا كثيرا، وتدعونا في الآن ذاته إلى التأمل والنظر إلى المستقبل، وما ينتظرنا عندما نتخطى مرحلة الكهولة وتحاصرنا أسئلة بخصوص المصير المجهول عند بلوغ الشيخوخة.

هذه القصة تسرد واقعة خيالية حدثت لعجوز حلمت دوما باستعادة شبابها، سمعت عن ينبوع الشباب الدائم، ووجدته في أقاصي البلاد، سعدت كثيرا وراحت تشرب منه بلهفة بالغة وفرحة غامرة، وإذا بها تفقد من العمر عشرين سنة لتعود سيدة ناضجة في الأربعين، أخذتها الرغبة كي تعود فتاة عشرينية تحتفي بعز شبابها، شربت كثيرا فعادت مثلما أرادت.

ومع ذلك أوغلت في "الطمع" فشربت من جديد علها تعود صبية يافعة، لكن يا هول ما حصل، لقد عادت إلى سنوات الطفولة، بات عمرها خمس سنوات، ومن المضحكات المبكيات أن هذه العجوز التي غدت طفلة ترقص وترتع في الحقول مرضت بالحصبة، ثم ماتت.

قصة هذه العجوز ربما تنطبق على أحد أعرق الأندية الإيطالية، والحديث يتمحور حول نادي الميلان الذي فقد الكثير من هيبته ووقاره، فراح يبحث عن ينبوع الشباب الدائم، لكنه تاه في الطريق وعجز عن استعادة شبابه المفقود.

هي خمس سنوات مرت كالدهر في بيت نادي الميلان، سنوات عجاف عانى خلالها الفريق من المشاكل والأزمات، هي خمس سنوات لم تمرّ كلمح البصر، بل هي فترة سوداء يتمنى كل محب لهذا النادي العريق، وأحد عواجيز إيطاليا أن تنقضي وتمر كسحابة صيف سوداء.

الميلان يكتفي بعض عشاقه عند وصفه بعبارة "فخامة الاسم تكفي"، فما بالك بالإنجازات المحلية والدولية التي جعلته يحتل الصدارة عالميا على مستوى البطولات، ولا يشاطره هذا الإنجاز سوى بوكا جونيورز الأرجنتيني برصيد 18 لقبا عالميا.

فالفريق الميلاني حصد كل الألقاب الممكنة، إذ توج بكأس رابطة الأبطال سبع مرات وفاز بكأس العالم للأندية أربع مرات وظفر بكأس السوبر الأوروبي خمس مرات وكسب كأس الكؤوس الأوروبية في مناسبتين، فضلا عن نيله لقب الدوري المحلي 18 مرة ولقب الكأس المحلي في خمس مناسبات ومثلها في مسابقة كأس السوبر الإيطالي.

هو عجوز إيطاليا الثاني بعد اليوفنتوس، حيث تأسس سنة 1899، أي بعد سنتين فقط من اليوفي وقبل تسع سنوات كاملة من جاره اللدود الإنتر.

صعد اسمه على مر السنين وحقق شهرة محلية جعلته النادي الأكثر جماهيرية في إيطاليا وأحد أكثر الأندية شهرة في العالم، كما مر به أفضل اللاعبين في العالم مثل مالديني وفان باستن وريكارد وباريزي وفييري ورنالدو وكاكا وإبراهيموفيتش وأماريلدو وكريسبو.. والقائمة تطول ولا تنتهي.

وفي المقابل أين الميلان اليوم من كل هذا؟ ماذا أصاب العملاق الإيطالي؟ وما حلّ به كي يبتعد عن صفوة القوم ويعجز على امتداد خمس سنوات عن الصعود إلى منصات التتويج؟ أي عين أصابت “الروسونيري” كي يفقد كل هذه الهيبة والوقار الذي كان يتمتع بهما؟

لتقديم تفسير منطقي لوضعية النادي اللومباردي يجب الاعتراف أن الكرة الإيطالية تراجعت كثيرا على امتداد السنوات الأخيرة، فلا تكفي الفضيحة التي أصابتها سنة 2006 والتي تضرر منها اليوفي على وجه الخصوص والميلان بدرجة أقل، فإن الأزمات المالية التي عصفت بأغلب الأندية دفعتها إلى انتهاج سياسة التقشف في زمن صارت خلاله لغة الأرقام الفلكية والأجور العالية عنوانا أبرز عند التعاقد مع اللاعبين “سوبر ستار” في أوروبا والعالم.

لقد كان فريق الميلان أكثرهم تضررا ولم ينجح رئيسه سيلفيو بيرلسكوني في تخطي هذه الأزمة رغم استنجاده بداعمين جدد من خارج إيطاليا، ولعل سوء الإدارة والتخطيط ساهما بقسط وافر في عدم قدرة الميلان على النهوض سريعا مثلما حصل مع نادي “السيدة العجوز″ يوفتنوس.

ومع ذلك كله حاول القائمون على النادي انتهاج سياسة اليوفي في بعض تفاصيلها، فتم التعاقد مع بعض النجوم الذين لا يكلّفون أموالا طائلة، قبل أن يتم التركيز على إعادة هيكلة الفريق، وذلك من خلال ضم لاعبين صغار وتصعيد بعض اللاعبين الشبان من الفريق الثاني، والهاجس الأكبر كان ضخ دماء الشباب في الفريق عله يستعيد عزه وجبروته ويشرب من ينبوع الشباب.

وقبل الدخول في تفاصيل ما حدث للميلان هذا الموسم والمواسم التي سبقت، يجب القول إن معدل أعمار لاعبي الميلان يعتبر أقل بكثير مقارنة بعدة فرق إيطالية أخرى مثل الإنتر واليوفي، حيث بات الفريق يضم لاعبين لا تتجاوز أعمارهم 21 سنة على غرار مباي نيانغ ورودريغو إيلي وخوسي ماوري، كما تمت الاستعانة ببعض اللاعبين ذوي الخبرة والتجربة من أجل إيجاد توليفة قادرة على الإبداع والنجاح.

ومع ذلك وإلى حد اللحظة كانت المحصلة مخيبة والنتائج التي حققها الفريق سلبية، حيث لا يمكن له أن ينافس على الألقاب هذا الموسم، إذ بدا وكأنه رضيع مازال يتحسس خطواته الأولى، فهذا الفريق المرهق شرب من ذات المنبع الذي قتل العجوز.

كاتب صحفي تونسي

23