قصة فاشلة بمقهى البصاصين

السبت 2017/07/08

وهذا أمرٌ لذيذ يحدث لي مرة واحدة كلّ سلة من سنين. إنها الرغبة المدغدغة في حمل ورق وقلم وعلبة سجائر والهجرة صوب مقهى يحتوي على الكثير من الهدوء ويخلو من ضجيج لاعبي الدومينو والطاولي، والبرود المميت الذي يصبغ وجوه لاعبي الكونكان وحركاتهم البطيئة المزعجة، وذلك من أجل كتابة نصٍّ أدبي قصصي صرف أو مكتوب جرائدي سيتمّ تلطيخه بلغة سهلة من صنف السهل الممتنع، فيتحول النتاج إلى ما يسمى العمود القصصي كما نحت المصطلح الشاعر الجميل حميد سعيد.

في البدء كانت المسألة استعراضية فجّة أو تقليدا سيئا لحياة أديب مشهور كنت شاهدته كشريط سينمائي بديع، ثم نما الأمر بعد أن كبرت الحروف وفاضت القراءات وتناسلت القصص والحكايات وصارت تلبط عند عتبة حرفة الكتابة، لكنّ الشقّ الاستعراضي التمثيلي لم يغادر أبدا جوهر تلك الغزوة الكتابية المضحكة التي لم أستطع معها حتى اللحظة، كتابة قصة واحدة قصيرة أو من قصار القصص التي تشيد على ثلاثة أو أربعة سطور.

أذكر مساء رائقا من مساءات بغداد العباسية المدهشة، تعطرتُ وتأبطت فيه كتابا هو من متممات مشهد الشاعر البصّاص بطل الفيلم العتيق، ويممت وجهي شطر مقهى جميلة بمنطقة المنصور ولا أدري إن كان اسمه مقهى الرصيف أم أن وقوعه على تمام رصيف المشاة هو الذي أوحى إلي بهذه التسمية الأدبية حقا. يقع المكان بمواجهة دكان دوندرمة الرواد الشهيرة وقبله بعشرين ذراعا ثمة دكان لبيع الملابس الماركات حيث سعر القميص قد يكلفني أيامها كلّ راتب الجندية الشحيح.

استوطنتُ مقعدا وطاولة لصق الزجاج حيث منظر النساء الحلوات وهن يمرقن بغنج مبين، وفكرة ضخمة تركل رأسي وتداعبه عن صبية جميلة ستمر بعد قليل وتنقر عيناي بإصبعيها السكريتين فأدعوها إلى طاولتي فتسألني عن الكتاب الذي أقرأ فأشهره بوجهها فتتعجب وتتفاعل وتتألق وتذوب في حبي بعد أن تعرف أنني شاعر وحالي من حال مؤلف هذا الكتاب ولو بعد حين من دهر بدا لها ولي منظورا.

ناديت النادل الوسيم وسبقت النداء العالي بمفردة “معلِّم” وكانت تلك أولى أغلاط السيناريو الذي يعبئ رأسي، وطلبت منه فنجان قهوة مرة. مع كل ثلاث حسوات من الفنجان كنت أدخن لفافة تبغ وأقرأ صفحة من الكتاب لم أفهم منها شيئا بسبب أثاث دماغي المنشغل بحظ بطل الشريط القديم. وفي حماقة ثانية طلبت من المعلّم المسكين أن يأتيني بورقة بيضاء وقلم، ففعل النادل بعد أن أوحيت له بأنني كاتب، وبسرعة غبية قمت بكتابة شيء ظننته قصيدة وما هو إلّا بعض هراء عظيم.

24