قصة مغربية

السبت 2017/01/28

قبل أن تدخل كتابة القصة بالمغرب مجال التجريب وتتعدد أسماؤها ويحظى بعضها بمكانة داخل مشهد الكتابة بالعالم العربي، كان عليها أولا أن تخلق لنفسها وضعها كجنس أدبي مستقل له قرّاؤه وكُتابه ومجالات تداوله. ولم يكن بالطبع ذلك أمرا يسيرا. لا ننسى أن ما نشر خلال القرن العشرين، لم يتجاوز المئتين وستين مجموعة، بمعدل مجموعتين في السنة.

وتُعتبر سنوات الأربعينات من القرن العشرين لحظةَ التأسيس الفعلي للكتابة القصصية بالمغرب، وذلك باعتبارها لحظة الانتقال من الأشكال التقليدية المتجلية في المقامة والمقال الاجتماعي، إلى محاولة البحث عن أفق أرحب للكتابة القصصية.

ويرتبطُ هذا التأخّر بطبيعة التمثُّلِ الثقافي المحافظِ السائد في بداية القرن لطبيعة الكتابة ولوظيفتها المتمثلة في الدعوة إلى تكريس التراث الأجناسي التقليدي كشكل من أشكال الهوية الثقافية. وهو الأمر الذي يتعارض مع طبيعة الجنس القصصي باعتباره شكلا أدبيا تبلورت ملامحُه الكبرى ارتباطا بسياق انشغالات الطبقة الوسطى الغربية.

وفي مقابل ذلك، ارتبط ظهورُ الأعمال القصصية الأولى بمجموعة من المتغيّرات الثقافية والاجتماعية التي طبعت أربعينات القرن الماضي. وهي شروط احتفظت بطبيعة وضع القصة القصيرة كجنس أدبي ملائم للبنية الاجتماعية المغربية خلال المرحلة، والمتسمة بتشتتها، وبعدم تجانس مكوناتها، ثم ببداية انبثاق البرجوازية الصغيرة. وذلك اعتبارا لتأسس الجنس القصصي على التقاط الاضطرابات الجانبية للحركية الاجتماعية.

وفي السياق نفسه، لعبت الصحافةُ دورا أساسيا في إطار مسار ظهور الكتابة القصصية بالمغرب. وتمَّ ذلك من خلال مستويين أساسيين.

اهتمَّ الأولُ بإسهامَها في تطور المقالة الصحفية باعتبارها شكلا لظهور الجنس القصصي بمفهومه الحديث، وتم ذلك بشكل أساس من خلال الروايات المسلسلة، والتي كانت تنشر بمجموعة من الجرائد التي أسسها مهاجرون لبنانيون بمدينة طنجة.

وتجلّى المستوى الثاني في التعريف بالكتابة القصصية، سواء من خلال ما كان ينشر من ترجمات لنصوص قصصية غربية، أو من خلال اللقاء المباشر بالنصوص القصصية المشرقية المنشورة خصوصا في الصحف والمجلات الواردة على المغرب.

وامتدادا لذلك، ساهمت بنيةُ النشر المشرقية في ظهور الأعمال القصصية الأولى، وتم ذلك من خلال نشرها لمجموعتي “وادي الدماء” لعبدالمجيد بن جلون بالقاهرة و”اللهاث الجريح” لمحمد الصباغ ببيروت.

وخارج محدوديتها الكمية، شكلت الأعمالُ القصصية الصادرةُ خلال مرحلة الحماية عتبات أساسية في سياق مسار تمثّل أدبية جنس الكتابة القصصية، ومكوناتِه الجمالية. وهو تمثّلٌ سيأخذ بعدا أكثر عمقا خلال اللحظات اللاحقة.

كاتب من المغرب

17