قصة موت معلن وغير معلن

لا تنس أن تلتفت إلى مفارقات من قبيل أن الدول الأوروبية التي وقّعت على مواثيق تلزمها باستقبال اللاجئين وضمان رعايتهم، ترسل اليوم بوارج حربية لطردهم، أو لمنع وصولهم، أو لحماية سواحلها من جثثهم
السبت 2018/11/17
اللاجئون أنفسهم يعرفون أيضا كل ما يمكن أن ينتظرهم

الحكايات المُرّة التي تُبحر مع قوارب الباحثين عن هجرة، ليست حزينة لمجرد أنها تحمل أنباء عن شبان وأطفال يبتلعهم البحر كل يوم، أو تلقي الأمواج بجثثهم على السواحل، بل لأن فيها من التراجيديات الإغريقية ما أصبح مصدر إلهام لأعمال فنية وروائية أيضا.

أين إلياذة هوميروس أو أوديسته، بل أين إنيادة فيرجيل، مما تعلو به أمواج الآلهة، فوق هامات محطمة وقوارب متداعية. أبطالها مهزومون مسبقا ولا أحد منهم غطسته أمه في نهر مقدس لتحميه.

اللاجئون أنفسهم يعرفون أيضا كل ما يمكن أن ينتظرهم. ابتداء من معاناة العيش في بلدان حرمان وقهر، إلى تجار تهريب يبيعون البشر كما تباع النخالة، إلى قوارب لا تتسع للراكبين، إلى أنواء بحر قاسية، إلى سواحل لا تنتظرهم بالرحمة.

بعض الموت معلن، ولكن أكثره غير معلن. ولقد حان الوقت لكي تنتظم في القافلة؛ قافلة الكتابة عنه.

تستطيع أن تصبح روائيا. احمل بضعة لاجئين في قارب، وأبحر بهم إلى المجهول، وسوف تنتهي برواية غارقة بالدم والدموع، أين منها “الشيخ والبحر”، قبل أن يغرق أبطالك وسط ظلام يتلاطم بأرواحهم المتهالكة. يمكنك أن تسرد سلسلة لا نهاية لها من الرزايا التي تجعل الموت هيّنا على من يبحثون عن حياة لا تُطال إلا بموتهم.

وقد تصطاد سمكة قرش عظيمة، بيد أنها لن تصل الساحل إلا هيكلا عظميا هو هيكل الحياة نفسها. تلك هي روايتك المقبلة.

لا تنس أن تلتفت إلى مفارقات من قبيل أن الدول الأوروبية التي وقّعت على مواثيق تلزمها باستقبال اللاجئين وضمان رعايتهم، ترسل اليوم بوارج حربية لطردهم، أو لمنع وصولهم، أو لحماية سواحلها من جثثهم.

إنها مفارقة أخلاقية أيضا من جانب قارة لم تأل جهدا في تصديع رؤوسنا بحماية حقوق الإنسان.

كروائي، تستطيع أن تكتفي بمطالبتها بحماية حقوق الجثث. أو بحق الناس في أن يموتوا في البحر من دون مضايقات حربية. تكفيهم مضايقات أسماك القرش التي لم توقع اتفاقيات جنيف.

تستطيع من أجل حبكة أفضل، أن تستبدل تلك الدول برمز لتاجر يكيل بسبعين مكيال، ويُطلق على مكاييله تعبيره المفضل “معالجة كل قضية، بحسب روحها”، ثم يقول ما لا يفعل ويفعل ما لا يقول. يذهب معك إلى البحر، لكي تبحثا في محار الحياة، ويعود بمفرده، حاملا لؤلؤ الإنسانية على أكتافه المثقلة.

هذه “الإنسانية” الناشئة تعرفُ تاريخها الأسود أيضا. فقد كانت تصطاد البشر من السواحل الأفريقية، كما تصطاد الحيوانات، لكي تبيعهم كعبيد. ثم ظلت السلاسل (المنظورة وغير المنظورة) تسوّر معاصمهم وكواحلهم إلى يومنا هذا.

لم تعد ترغب فيهم اليوم، حتى ولو جاؤوا إليها طوعا. ربما لأن السعر لم يعد مناسبا. فكلما زاد العرض، قلّ الطلب. تلك هي القاعدة، التي يبحر اللاجئون بحياتهم إليها.

يمكنك أن تستلهم الكثير من قصص البؤس التي تعيشها شعوب بأسرها. اختر أي منزل في العراق أو سوريا أو الصومال، أو أي منزل للجوع في أي بلد عربي آخر ينعم بفضائل الاستبداد، وستجد أنك لست بحاجة إلى مجموعات إرهابية تكتفي بالقتل المروع. فهناك بيئات، أحزاب ثورية، وأخرى دينية، ومنظمات أمنية، لن تكتفي بإجبارك على العيش المروع.

أجهزة التعذيب سوف تكفل لروايتك الكثير من الصراخ والآلام المبرحة والاستعادات (فلاش باك) التي تجمع بين صور الحياة المتناقضة، وأنت تتمرجح على كرسي مُعلق بالمروحة، قبل أن يقتلعوا أظافرك.

اجعل قراءك يبكون. أغدق عليهم بالأمل، وبخيبات الأمل. واجعل البحر صاخبا بالوحشة، والنهار ملاذا لحرقة العطش.

ابحث عن ليل جامح يُلقي بما قد يبقى منك على شاطئ تُسمعه كل ما تشاء من الهجاء المر، أو تضع برماله الثقة بوصفه الجنة المفقودة، ضالة الناجين، أو ضلالتهم في عالم يبيع البشر مع العجول، فإذا أشفق عليهم، فإنه ينظر إليهم كأرقام في خدمة صناديق التقاعد.

اجعل قراءك يعرفون ما معنى أن يبحروا في القارب المقبل. ولكنهم سوف يبحرون، ويبحرون، قاربا بعد قارب.

تلك هي فاجعتك المقبلة. وقد يجعلون روايتك أول طعام لسمك القرش، قبل أن يبتلعهم اليأس.

هياكل البشر هي التي سوف تصل إلى الساحل، لتحكي قصة أخرى لم يكتبها همنغواي، ولا كان بوسعه أن يتخيلها أصلا. ويحسن أن تتيقن أنك لن تفوز بها بجائزة نوبل. فقد فاز بها البحر قبلك!

9