قصة ومناظر وأشياء أخرى

الكثيرون اليوم يتحسرون على غياب الجمهور مقارنة بما كان في عهد سعدالدين وهبة، لكنهم ينسون أن ذلك الإقبال كان قبل ظهور الأسطوانات المدمجة والقنوات المتخصصة ومواقع الإنترنت.
الأربعاء 2018/12/05
سعدالدين وهبة كان يعتمد على الكاريزما الشخصية

طالعت وأطالع بالكثير من الدهشة والعجب، الكثير من الكتابات التي تصطبغ بالحنين إلى، والترحم على “عصر سعدالدين وهبة” أو على ما كان عليه مهرجان القاهرة السينمائي في عهد رئاسة سعدالدين وهبة له في الثمانينات، وما أصبح عليه اليوم من حيث أعداد الجمهور الذي كان يتردد عليه.

كان سعدالدين وهبة نتاجا للنظام الناصري، فكان يعتمد على الكاريزما الشخصية، وعلى سلطته الفردية المستمدة من سلطة أجهزة الدولة العميقة، فقد تكون سعدالدين وهبة في الأصل، داخل منظومة جهاز الشرطة المصرية حيث عمل ضابطا لفترة من حياته إلى أن استقال وتفرغ لكتابة المسرحيات في عصر ازدهار المسرح المصري الاجتماعي النقدي في الستينات، عصر ألفريد فرج ونعمان عاشور ورشاد رشدي وميخائيل رومان ونجيب سرور ويوسف إدريس، وغيرهم.

كتب سعدالدين وهبة عددا من أشهر المسرحيات الاجتماعية في الستينات مثل “السبنسة” و“كوبري الناموس” و“سكة السلامة” و“المسامير” وغيرها، وكان دون شك، موهوبا في كتابة المسرحيات الساخرة التي تتضمن رموزا سياسية، لكنه كان يحلم دائما بالقيام بدور أكبر داخل أجهزة السلطة، فرحب برئاسة جهاز “الثقافة الجماهيرية” الذي تأسس في عهد عبدالناصر على غرار أجهزة التوجيه الثقافي في البلدان الاشتراكية في أوروبا الشرقية، ثم تحول في عهد الرئيس السادات إلى “الهيئة العامة لقصور الثقافة”، وكون وهبة مجموعة من “الكوادر” الذين تربوا على نمط ثقافي، يناهض الماركسية، ويناصر الاشتراكية الناصرية.

بعد تطبيق سياسة الانفتاح الاقتصادي في السبعينات، أسس سعدالدين وهبة شركة خاصة لإنتاج المسلسلات التلفزيونية بعد أن كان قد توقف تماما عن الكتابة للمسرح، وكان لهذا التوجه مغزاه، وأيضا تأثيره على الرجل الذي ظل دائما يبحث عن دور.

في الثمانينات وأوائل التسعينات ازدهر المهرجان بعد أن تمكن من جلب عدد من الأفلام الجريئة منها “حدث ذات مرة في أميركا” لسيرجيو ليوني الذي عرض كاملا بما في ذلك مشهد الاغتصاب

وقد جاءته الفرصة للعودة للقيام بدور بارز يعيده إلى الأضواء، عندما اختير رئيسا لكيان غامض، لا أحد يعرف هدفا له، تأسس في القاهرة في الثمانينات باسم “اتحاد الفنانين العرب”، لكن عن طريقه تمكن وهبة من الحصول على مقر وتسهيلات من الدولة، ثم استولى على مهرجان القاهرة السينمائي الذي كان قد تأسس عام 1976 من داخل “جمعية كتاب ونقاد السينما” وقت أن كان يرأسها الصحافي كمال الملاخ بدعم من وزير الثقافة يوسف السباعي الذي عينه السادات لتصفية النشاط الثقافي اليساري في مصر وإغلاق المجلات المرموقة مثل “الكاتب” و”الفكر المعاصر” و”المجلة”.

واستخدم سعد وهبة علاقاته الخاصة بالسلطة لجعل المهرجان “مؤسسة رسمية” ولكن بشكل غير رسمي، فلا هي جهة حكومية تابعة لوزارة الثقافة ولا هي جمعية خاصة، وقد ظل الحال على ما هو عليه إلى أن وضعت الوزارة يدها على المهرجان، ولكن أيضا دون أن يصبح مؤسسة حكومية تماما، بل لمقره الرسمي شقة مستأجرة باسم سعد وهبة شخصيا وحتى اليوم.

في الثمانينات وأوائل التسعينات ازدهر المهرجان بعد أن تمكن من جلب عدد من الأفلام الجريئة منها “حدث ذات مرة في أميركا” لسيرجيو ليوني الذي عرض كاملا بما في ذلك مشهد الاغتصاب، ست مرات في دورة عام 1986. وأصبح المهرجان معروفا بأنه يعرض الأفلام من دون رقابة، وكانت الأفلام تعرض في دور السينما بوسط القاهرة قبل انهيارها وإغلاق معظمها.

ويتحسر الكثيرون اليوم على غياب الجمهور مقارنة بما كان في عهد سعدالدين وهبة، لكنهم ينسون أن ذلك الإقبال كان قبل ظهور الأسطوانات المدمجة (DVD) والقنوات المتخصصة في عرض الأفلام، ومواقع الإنترنت التي تعرض كل أفلام العالم بما في ذلك أفلام “البورنو”، ثم تقلص دور العرض السينمائي، واختفى بالتالي السؤال الشهير: هل الفيلم قصة أم مناظر؟ يعني هل يتضمن مناظر جريئة أم قصة كئيبة؟ وأصبح جلب الجمهور لمشاهدة أفلام مهرجان القاهرة أمرا شاقا لا علاقة له بسعد وهبة أو بمحمد حفظي ويوسف شريف، بل بحالة ثقافية جديدة لن يجدي معها “استنساخ” سعدالدين وهبة!

16