قصتان

الأحد 2015/06/14
يرهقها غيابه الذي لم يأت به بعد!

يتنفسها دمع

تتنفس الدمع وهي تبحث عن ثانية تفهم أنها لا تستطيع العبور دون يديه، ثم يتنفسها الدمع كأنه الوحيد الذي استطاع أن يفهم، لازالت تحاول القفز عن إحساسها بوجوده رغم أن كل شيء يؤكد أنه رحل رحيل اللاعودة، ذلك الرحيل الأخير ذو الخط الشعاعي الذي له نقطة بداية تعني النهاية.

تحاول أن تقتنع بأنها لن تصحو ذات إغماضةٍ لتناديه ويجيب، وأن صوتها سيظل حين يلفظ حروفه يخرج ليعانق فقط الفراغ والصمت.

هو الذي اكتشف مناطق الفرح والحمّى! والذي جعل من الليل نهاراتٍ بنجوم عينيه، وجعل من النهار أمنيات تتقن الحلم، وتحفل بالورود الجورية واقتناص الضحكات، تسمع صداها وتتلفّت بحثا عنه وهي تدرك أن ذلك البحث عبث، وتترك الغصة تتكوّر في حلقها

آه، لو تنطقها وتعرف أن الآه لا تجدي في رفع كاهل التعب ثانية عن الصدر وأن تلك الـ”لو” لا تقدر على إعادتها لرحم الضباب قبل أن تصطدم بوجوده وهي مغمضةٌ وترى جيدا أنها تلتصق به نخاعا لنخاع!

وتكرّر لذاتها ما قالته طويلا وانتظرته طويلا لو أنه منحها طفلا يعشش في قلبها قبل رحمها لتشير إلى صورته حين يكبر وتقول هذا الذي جعلك تتكون قبل غيابه الأخير.

تحاول أن تكفّ عن تجرّع فقده، تحاول الاستمرار في حمل الحلم، تحاول أن تصدّق، أن تتوهم بأنه سيطرق الباب بعد قليل حاملا قلبه وابتسامته وغمازتين تصنعان واديا تودّ لو تنغرس فيهما وينتهي الأمر، لتصبح جزءا من ابتسامةٍ ملتئمةٍ فيه!

يرهقها غيابه الذي لم يأت به بعد!

غادر دون وداع، كانت تنساب كل يوم وليلة في بحيرة روعته الوادعة، لم يترك لها هذه المرة علامات على الطريق لتلحق به، لم يترك لها وقتا للتلويح له وهو يركب قطار الراحلين، بكل عفويّة ككل شيء فيه، جاء الغياب عفوياً.

لم يترك لها طفلا ينمو داخلها ويتحرك ليحرك قلبها، أو يرفس لترفس حزنها المقيت، لو أنك زرعت في أرضي غرسا يحمل ملامحك وصوتك وغمازتيك، وشعرك الليل الذي لا مدى لعتمته.

تترنّح في كأس عينيها دمعة، تتركها لمجرى حُفِرَ في وادي الخدين، وتعود لإرهاق الذاكرة.. جاءوا لي بخبر موتك الحيّ، وأنا أعدّ لك قهوة المساء، لِمَ لم تشرب قهوتي في الساعة السابعة، ساعة عودتك ووعدك قربي بأن تأتي؟

لا زالت قهوة السابعة تعدّ ويشربها صبّار نبت في فناء المنزل الخلفي بين البرتقالة والزيتونة في تلك المساحة التي تركتها فارغة وكأنك عقدت معها عهدا سريّا لم أعرفه أبدا إلا صباح رحيلك حين شقّ الرمل نبتةُ صبارٌ أخضرٌ يحمل شوكه!

عرفت أنك ترى وتعرف بقلبك، ربما بحدس ما، أنها ستشرب قهوتك لذا تركتها دون جورية بيضاء طالما طلبتها منك هناك.. وكما شربت الأرض ملامحك ، يشرب ملامحي غيابك.

بارودتك لا زالت تعلق إصبعي على زنادها كلما فاض بي الشوق للمس أصابعك!

هل يكفي أن أشتاق لك حدّ الاحتراق كي تأتي؟

كانت الطلقة وهي تقصد قلبك لا تتوه عن قلبي وكان عرقك في كل ليلة يركض بين احتشاد أصابعي فوق جبينك فيم ثورتك تركض داخل قلبك تجاه سوادهم…

هل لا زلت تمارس الركض، وتشحذ البارود بالرصاص ويعرق جسدك؟

قل لي من يمسح عن جبينك عرقه الآن؟

دقّت السابعة يا سيدي وها أنا أسكب فنجان قهوتك إلى جذور خلف فناء المنزل تشبه غيابك وذكراك.. أشواكها كثيرة، ولا تبخل بثمرٍ حلو.

تخطيط: ساي سرحان

****

ألوان

يراقب شفاههم، يعرف أن شيئا يخرج من تلك الحركات التي تتأرجح بها وتتشكّل، تتكوّر مرة ، تنفتح، تنغلق، أو تنضغط فيما بينها الأسنان التي ربما تضغط على اللسان في أخرى!

هو أمام المرآة يجرّب أن يفعلها دون أن يعي كنه ما تعنيه!

الصمت لديه خارجٌ عن إرادته، هو فمه الذي يسكنه لسانٌ عاجز، يقع خلفه واد سمعٍ لا يجري فيه صوتٌ ولا صدى!

قبل عدة أيام أخذه والده في زيارةٍ لطبيب مختص، ذلك كان ضمن سلسلة محاولاتٍ متعددة امتدّت عبر وعيه، لإيجاد رواق واحد يمكن أن يمرّ فيه خيط صوت، دون جدوى!

يحاول بهمهماته الخروج من قمقم قهره تجاه كل ما لا يسمعه! بالسبابة يشير إلى ما يريد، بملامح وجهه يحاول رسم رغباته، بغضب مفتوح على شرفات صوت عصبيٍّ بدائيّ النبرة، كوحشٍ يُذبح!

يضيق أحياناً، يثور على نفسه، يرى في كل شيء حوله ما قد يثير الغضب، يمسك بأقرب شيء ويطيح به أرضاً، يهشمه، يلاحظ حركات أيديهم تجاه آذانهم ، تحديدا هذه الفتحات، هو لا يشعر بها، ما الذي يحاولون فعله حين يضعون بطون أكفهم هناك؟ ولا يجد عقله الإجابة؟

يدفع بالمزيد من الأشياء تجاه الأرض، أمّه تواصل إغلاق أذنيها ووالده يقترب منه، بسبابته المحذرة، المترنّحة ذات اليمين وذات اليسار..

هذه الإشارة تخفق في وجهه كلما فعل ما يستدعي انعقاد حاجبي والده! يحني رأسه ويعيد الطبق إلى رفّه الذي بدوره يراقب أيضا ولكن ببلادةٍ دائماً وبخرس أيضا كل ما يحدث هنا!

“ليس بالكلام وحده تعلن عن الإنسان فيك”، وليس الصوت وحده يشكّل إعلاناً عن الإبداع في الطبيعة، فالشمس تسقط في قاع البحر دون صوتٍ وتخرج من رحم الليل دونه..

هو وجد في المركز التأهيلي الذي التحق به مؤخراً شيئا يجذب حواسه كمغناطيس!

اكتشف الريشة والألوان واستفزاز البياض، وحمله على العدو بالريشة فوق مساحات بيضاء لجعلها مخلوقة غير عاجزة عن السمع والكلام وربما البكاء والحلم!

لديه الآن أن يبصر، يلمس، يتنفّس، يتذوّق، فلسانه له فوائد أخرى سوى الثرثرة..

يترك للذاكرة أن تقذفه تجاه غضبه العتيق، تواصل ابتسامته اتساعها، أصابعه صارت تتقن فن الكلام الذي يجهله فمه وذاكرته، بخطوطه وألوانه صار يرصّع الفراغ بمعانٍ لا تستطيع اللغة أن تعبّر عنها، فقط، وفقط ريشته ما تفعل!

إحساسه المفقود بالصوت، جعل صرخة روحه على الورق كحدّة البرق في كشف اللون الرماديّ للغيوم أو اسودادها، ورغم غياب الرعد عن حواسه، لم تغب ألوان المطر ولا أقواسه الملونة.

يبتسم لنفسه من جديد، ينطلق تجاه مرآة مرسمه الخاص الذي جهزه له أبوه، ينظر بثقة تجاه معالمه، يخرج لسانه مداعبا، يكوّر شفتيه من جديد، يفتحهما، يضغط على اللسان، يحركه به بين شفتيه ويضحك، يضحك ، يضحك.

كاتبة من فلسطين مقيمة في غزة

17