قصد ملتبس

السبت 2017/01/14

حين قرأت المقطع الآتي من رواية “بيريرا يرى” للروائي الإيطالي أنطونيو تابوكي ” لكننا في الصفحات الثقافية، مرغمون أن نحضر ما نقوله عن رحيل أحد الأدباء الكبار، فإذا توفي أحدهم فجأة، من الصعب أن نرثيه في ليلة وضحاها.. ربما تذكر منذ ثلاثة أعوام عندما توفى ت.ال. لورنس لم تأت على ذكره أي جريدة برتغالية في حينها، وتأخروا في رثائه أسبوعا كاملا، ونحن إذا أردنا أن نكون جريدة حديثة، علينا أن نواكب الخبر، لحظة بلحظة”.

أقول، حين قرأت المقطع المذكور، استغرقت طويلا، متأملا ومستذكرا الكثير من التغطيات الإعلامية في وفيات أدباء وفنانين وشخصيات عامة، وما اقترنت هذه التغطيات به، من كتابات وشهادات، إذ طالما لفت نظري في تلك الكتابات التي يسطرها كتاب وإعلاميون، أو ممن حسبوا أنفسهم من الكتاب والإعلاميين، وما يقدّم من شهادات، قد لا تمت بصلة لأيّ ممن يكتب عنهم أو تقدّم شهادات بشأنهم.

ويصبح، وأنا هنا أحتفظ في ذاكرتي بحالات كثيرة، ولا أطلق القول على عواهنه، أقول: يصبح أحيانا من رأى الأديب أو الفنان الراحل في صورة فوتوغرافية أو في برنامج تلفزي، أو شاهده في ندوة أو التقى به عابرا في أحد الشوارع والتقط صورة فردية أو جماعية معه، وكأنه صديقه الحميم، الذي نشأ معه ورافقه في منعطفات حياته، وربما ادّعى بأنه من أقرب مريديه إليه، إن لم يبالغ فيدّعي بأن الراحل قد تعلم منه وأفاد من تجاربه وخبراته.

وتحفل مثل هذه الكتابات والشهادات، بمفارقات لها أول وليس لها آخر، ولو كان الأمر مجرّد ادّعاء علاقة بهذا أو ذاك لهان الأمر، لكن في هذه الحالات تكثر الادّعاءات وربما تحولت بمرور الزمن إلى ما يشبه الحقائق، عن حياة الراحل ومسيرته.

وتتميز هذه الكتابات والشهادات أحيانا، بأن أصحابها يتحدثون عن أنفسهم أكثر مما يتحدثون عن الراحل.

في يوم وفاة الشاعر محمود درويش، كنت قبيل المساء أتجوّل في شوارع عمان القديمة، وتلقيت مكالمة هاتفية من القاص جعفر العقيلي، من القسم الثقافي في صحيفة الرأي، يقترح عليّ كتابة شهادة بمناسبة رحيل محمود درويش، فعدت إلى البيت وكتبت شهادتي متحدثا عن الشاعر وتجربته وإنجازه، ولم أشر من قريب أو بعيد عن علاقتي الشخصية به، غير أنني قلت: في مثل هذه المناسبات يعمد بعضهم إلى الحديث عن نفسه، أكثر مما يتحدّث عمن يكتب عنهم، وشاءت المصادفة أن أجد في عدد الرأي صباحا إن الكثيرين ممن كتبوا شهاداتهم تحدثوا عن أنفسهم أكثر مما تحدثوا عن الشاعر الراحل.

ومن أعجب المفارقات التي صادفتني على هذا الصعيد، ما شاهدته في صبيحة تشييع الشاعر عبدالوهاب البياتي، إذ كنت أتابع تغطية تلفزية كانت تنقلها إحدى القنوات العربية، من مقبرة بدمشق، وسأل المذيع الدكتور علي عقلة عرسان، فتحدث من موقعه بأدب جمّ، عن إجراءات التشييع والدفن، ثم سأل المذيع شاعرين، كلا على انفراد وكانا من بين المشيعين ففاجأني اتفاقهما على نبز البياتي، والرجل لم يستقرّ في لحده بعدُ!

يومها قلت “لو استمع إليهما أبوعلي الآن، لشن عليهما حملة دونها حرب البسوس”.

إن ادّعاء العلاقة بالراحلين من أدباء وفنانين وشخصيات عامة ومن ثمّ ادّعاء ذكريات مشتركة معهم سلبية كانت أم إيجابية، عرفتها باستمرار ليس في جلسات خاصة فحسب، بل في صحف ودوريات وكتب، وفي حصص إذاعية وتلفزية.

ومن أسبابها، ذاكرة غير موضوعية وخيال أوسع مما ينبغي، وقصد ملتبس.

كاتب من العراق

16