قصر إبراهيم بالأحساء تحفة معمارية من الحضارة الإسلامية

فن العمارة موسوعة حافظة لذاكرة الأمم وفن قادر على تحقيق التواصل والتفاعل الحضاري، وقد لعب الفن المعماري الإسلامي دورا كبيرا في خلق حوار فني حضاري متميز، لأنه انطلق من هويته وحافظ على خصوصيته الثقافية فاستطاع من خلال جمالية إبداعه الفني تقديم الوجه الحقيقي لحضارته .
الأربعاء 2015/09/30
وراء السور تصاميم معمارية تشهد على تاريخ المملكة السعودية

الرياض - يُعدّ قصر إبراهيم من أهم المعالم الأثرية والتاريخية التي تقع في حي الكوت بمدينة الهفوف بمحافظة الأحساء في المملكة العربية السعودية، ويُسمّى القصر أيضا بـ”قلعة إبراهيم”، نظرا لضخامة المبنى وعلوّ مشارفه التي تمنحه شكل القلاع.

وقد سُمّي قصر إبراهيم نسبة إلى إبراهيم باشا القائد العثماني الذي حكم محافظة الأحساء آنذاك. وهناك قول آخر بأن هذا الاسم نسبة إلى أحد قادة الجيش العثماني، والذي نقل مقر إقامته إليه بدلا من قصره القديم الذي كان يُسمّى “صاهود”. ويُعرف القصر بأسماء أخرى عديدة، منها قصر القبة، أو قصر الكوت لأنه يقع في شمالها، ويضمّ العديد من المنشآت العسكرية.

وبدأ البناء في القلعة أو قصر إبراهيم عام 963هـ، على يد علي بن أحمد بن لواند البريكي الحاكم العثماني آنذاك، لذلك أدخل قادة الجيش العثماني بعد ذلك على قصر إبراهيم أساليب وطرازات معمارية جديدة، اختلطت بالتصميمات المعمارية الخاصة بالمحافظة، وكان نتيجة ذلك أنه بُني بأسلوب معماري جديد، ظهر من خلال الأقواس والقباب والزخارف الموجودة بالقصر، فقد كان القصر المقر الرئيسي لحماية الدولة العثمانية، وتدل فخامة القصر على ثراء وقوة هذه المنطقة، بسبب وقوعها على أحد أهم الطرق التجارية في العالم.

وبعد أن دخلت محافظة الأحساء تحت حكم الملك عبدالعزيز آل سعود، وتمّ ضمّها للمملكة العربية السعودية، وقع القصر بما فيه من جنود وعتاد تحت حكمه عام 1331هـ، وأضاف إليه طرازا آخر بخلاف الطراز الذي بُني عليه، وهو الطراز الديني، ويظهر ذلك في الأقواس شبه المستديرة والقباب الإسلامية، ومئذنة المسجد التي توجد على شكل مسلة من الخشب، كما هو الحال في مساجد تركيا. أما الطراز الآخر، العسكري، فيوجد ما يدل عليه، مثل الأبراج الضخمة الموجودة حول القصر، فضلا عن ثكنات الجنود التي توجد شرق القصر بجوار إسطبلات الخيول.

ويحتوي القصر على مجموعة كبيرة من المنشآت المتنوعة تم الاعتماد في بنائها على المواد المحلية، حيث بُنيت الجدران من الطين المخلوط بالقش. أما الأسقف فمن جذوع النخيل والشندل، بالإضافة إلى الحجارة.

كما يوجد بالقصر مسجد تمّ الانتهاء من بنائه عام 979هـ، تحت إشراف الوالي علي بن لاوند البريكي، مزود بعدة قباب بجانب السور الرئيسي، وبداخله حمام كبير يأخذ شكل قبة في الزاوية المقابلة للمحراب، ومئذنة عالية الارتفاع يتم الوصول إليها عبر سلم حلزوني شُيّد من الحجر، وفي أعلاها استراحة المؤذن، التي زُيّنت بستائر خشبية. ويتفرّد المسجد بقبة ضخمة تمّ مراعاة النواحي الهندسية لتوزيع الأحمال في بنائها، من خلال تزويدها بعدة نوافذ جصية مزخرفة بأشكال هندسية.

صالات القصر عبارة عن مبنى مربع الشكل تعلوه قبة دائرية، وجناح الخدمة وإسطبلات الخيول، فضلا عن غرف نوم الضباط ومستودع الذخيرة وغرفة الاتصالات ودورات مياه وعدد من الأبراج

وتتصدّر قصر إبراهيم بوابة رئيسية بسيطة التصميم، تليها بوابة أخرى كبيرة الحجم ومزودة ببعض الرسومات، تؤدي إلى ممر متسع يأخذ إلى داخل القصر، الذي تتوسطه مساحة فارغة تحيط بجنوبها منشآته المتعددة، كالمسجد الذي يحيط به من الجهتين الشمالية والجنوبية رواقان ينتهيان في الجهة الغربية بمحراب صغير وتعلوهما عدة قباب.

كما يضمّ المسجد رواقا ثالثا من الجهة الشرقية يظلل مدخل المسجد الرئيسي، الذي يتكوّن من بوابة خشبية ضخمة تغلق بمفتاح صُنع أيضا من الخشب، ويوجد بالقرب من المسجد مبنى ثالثا على شكل قبة كان يستخدمه الجيش العثماني مخزنا لأسلحته.

ويضمّ قصر أو قلعة إبراهيم ثكنات للجنود التابعين للمحافظة، وتتكوّن من مجموعة صالات شاسعة المساحة، مزودة بمداخل كثيرة رُوعيت فيها أساليب الإضاءة والتهوية. وهذه الصالات عبارة عن مبنى مربع الشكل تعلوه قبة دائرية، ويحتوي على بئر القصر وجناح الخدمة وإسطبلات الخيول، فضلا عن غرف نوم الضباط ومستودع الذخيرة وغرفة الاتصالات ودورات مياه وعدد من الأبراج.

وتتوسّط هذه الثكنات مقصورة رئيسية ذات درج مزدوج لا يستخدمه سوى الضباط والقائمين على إدارة شؤون المحافظة، لذلك سُميت بمقصورة القيادة، وتقع في منتصف الجدار الشرقي لسور القصر، وهي مقسّمة إلى أربع غرف نصفهم في الأسفل والنصف الآخر في الأعلى، وبين كل غرفتين رواق للاستقبال، ويصل إلى الغرفتين العلويتين بدرجين أحدهما للصعود والآخر للنزول، وتشرف المقصورة على كل أجزاء القصر ولا يمكن الوصول إليها إلا بإذن من الحرّاس.

ويقول الخبير الأثري وائل حسان “إن المساحة الكلية لقصر إبراهيم تبلغ 16500 متر مربع من الخارج، و10 آلاف متر مربع من الداخل، ويحيط بالقصر سور ضخم، وهناك عدة أبراج في جميع زواياه تأخذ شكل الاستدارة، وتحتوي الأسوار على متاريس حديدية ضخمة لحماية القصر، كما توجد حواجز شاهقة الارتفاع بُنيت أيضا للحماية”.

ويتابع “تضمّ حواجز قصر إبراهيم مجموعة من الفتحات التي خُصّصت لمراقبة أوضاع المنطقة، فضلا عن فتحات أخرى خُصّصت للبنادق والمدافع، كما توجد مثلها في الحواجز الخاصة بالأبراج التي بُنيت أعلى القصر. وفي منتصف القصر توجد ردهة كبرى، وهي عبارة عن فتحة مغطاة بجزء بارز من المبنى، ومنها يمكن للجنود النظر إلى أسفل السور”.

ويشير إلى أن القصر مرّ بمراحل ترميم خلال العقود الماضية للمحافظة على طرازه المعماري. كما تمّ مؤخرا فتح أبواب القصر أمام روّاده الزائرين من داخل وخارج المملكة، لمشاهدة جميع جنبات القصر وأبرز المعالم الأثرية التي يضمّها، بالإضافة إلى أن الهيئة العامة للسياحة السعودية تقوم بعقد بعض المؤتمرات والندوات داخل القصر للتعريف به وبمحتوياته التاريخية والأثرية.

20