قصر الأمير محمد علي بالقاهرة يعاود سرد تاريخ 3 حضارات

السبت 2015/04/11
تحف ومعروضات نادرة تعطي للزوار فرصة العودة إلى زمن الملوك والأمراء

مدخله يحاكي الحضارة الفارسية، وساعته مستمدة من الحضارة الأندلسية، ومسجده مبني على الطراز العثماني، بينما تكسو جدرانه الزخارف الشامية والعثمانية، هذا هو قصر الأمير محمد علي في القاهرة الذي تمت إعادة افتتاحه بعد 14 سنة من الترميم.

ربما لا تجتمع الحضارات الإنسانية الثلاث الفارسية، والأندلسية، والعثمانية في مكان واحد، مثلما تجمعت في قصر الأمير محمد علي، نجل الخديوي توفيق (حكم من 15 نوفمبر 1852 إلى 7 يناير 1892)، بمنطقة المنيل بوسط القاهرة، والذي افتتحه رئيس الوزراء إبراهيم محلب أوائل شهر مارس الماضي، بعد إغلاق دام 14 عاما لإجراء عمليات ترميم.

وأغلقت أبواب القصر عام 2001 أمام زواره جراء التردي الأثري له ولمقتنياته، وظلت أعمال الترميم مستمرة حتى مطلع عام 2015، ومع بدايات الشهر الماضي، فتح القصر أبوابه من جديد لزواره.

وشُيد القصر خلال الفترة من عام 1901 وحتى 1907 في منطقة المنيل بالقاهرة ليطل على الفرع الشرقي للنيل على مساحة تقدر بـ61 ألفا و711 مترا مربعا، ويعده أثريون نموذجا لتلاقي الحضارات، لجمعه بين مختلف صنوف فنون العمارة في العالم، وهو ما يرجعه المرشد السياحي محمد خليل إلى شخصية مشيد القصر نفسه.

وقال خليل “كان الأمير الراحل محمد علي من محبي السفر والترحال، وجاب دولا كثيرة، وظهر ذلك في قصره الذي يُعد تحفة فنية تجمع مختلف صنوف فنون العمارة في العالم”.

“ويعبر القصر عن فترة مهمة من تاريخ مصر الحديث، ويعكس صورة حية لما كانت عليه حياة وأحلام أمراء الأسرة الملكية السابقة (أسرة محمد علي باشا)، ويصورها بعناية فائقة”، بحسب خليل.

أبواب القصر أغلقت عام 2001 أمام زواره جراء التردي الأثري له ولمقتنياته، وظلت أعمال الترميم مستمرة حتى مطلع عام 2015 حيث فتح القصر أبوابه من جديد لزواره

وأضاف المرشد السياحي أن “مدخل القصر مستوحاة فكرته من الحضارة الفارسية، فتراه على شكل ثلاثي يُعرف باسم “عقد مدائني”، حيث أنه من المعروف عن فن العمارة في هذه الحضارة أن الزخرفة البارزة فيها تأتي على شكل مثلث، وهي من أعظم الحضارات التي سادت قبل العصر الإسلامي”.

المرشد المصري لفت إلى أن “القصر يضم قاعة تسمى “قاعة العرش”، وهي القاعة التي تشير إلى حلم الأمير بأن يصبح ملكا على مصر، وهو الحلم الذي كان قاب قوسين أو أدنى منه، لكن لم يحالفه الحظ”.

والأمير محمد علي كان وصيا على العرش بعد وفاة عمه فؤاد الأول في عام 1936، حيث لم يكن نجله، الملك فاروق، قد بلغ السن القانونية لتولي العرش، ولجأت الأسرة المالكة إلى استصدار فتوى من الأزهر يتم بمقتضاها حساب عُمر الملك فاروق بالسنين الهجرية، حيث أنها أقصر من السنين الميلادية حتى يسارعوا إلى وضعه على العرش.

وبعدها أصبح الأمير محمد علي وليًّا للعهد مرة أخرى إلى أن أنجب فاروق نجله الأمير أحمد فؤاد الثاني فحُرم الأمير محمد علي من حكم مصر خاصة بعد اندلاع ثورة 23 يوليو 1952 التي أطاحت بحكم أسرة محمد علي باشا لمصر.

وإضافة إلى القاعة التي لم يكتب لصاحبها أن يجلس فيها حاكما لمصر، القصر توجد به “قاعة استقبال” تنقسم إلى شقين، أولهما شُيّد على الطراز الشامي، وثانيهما على الطراز المغربي، وكذلك “برج الساعة” الذي حرص الأمير على وجوده في القصر ليستدل منه على التوقيت، ويتميز البرج بأنه مشيد على هيئة مئذنة أندلسية، أما عقارب الساعة التي تعتليه فهي على شكل ثعابين.

قصر محمد علي النموذجي يسرد تاريخ فنون العمارة في العالم

وبجوار برج الساعة يقبع “مسجد القصر” الذي يعتبر رغم صغر مساحته تحفة معمارية مشيدة لتجمع بين الطرازين الأندلسي (711م-1492م) والعثماني (1299م-1923م)، إذ تم كساء جدرانه كاملة بالقشامي العثماني (أحد أنواع البلاط الخزفي).

وظهر هذا النوع من فن العمارة في القرنين الـ4 والـ15 الميلاديين ليدمج ما بين العمارة البيزنطية والفارسية، في تجانس فني فريد بين فنون العمارة في الشرق الأوسط وفنون العمارة في دول البحر الأبيض المتوسط.

فيما شيد سقف المسجد من الخشب وكذلك منبره ومحرابه بشكل مستوحى من الحضارة الأندلسية.

أما “سرايا الإقامة” فتعد أقدم مباني القصر، وفيها كان يقيم الأمير الراحل، وتتكون من طابقين تتوسط أولهما نافورة مياه تعمل في فصل الصيف لتلطيف درجة الحرارة، ويضم الطابق ذاته مجموعة غرف مميزة منها “غرفة المرايا” التي تحوي مجموعة من المرايا الزجاجية النادرة والفخمة وملحق بها حجرة مكتب الأمير التي تضم مقتنياته الشخصية وكتبه النفيسة.

وفي الطابق الأول كذلك تقبع غرفة “الصدف” التي اكتسبت تسميتها من كونها تضم مجموعة دواليب خشبية مكسوّة بالصدف، وملحق بها غرفة المدفأة التي يوجد بداخلها مدفئتان إحداهما تعمل بالفحم، والأخرى تعمل بالماء المغلي.

وبسلم خشبي صغير يصعد زائرو القصر إلى الطابق العلوي من سرايا الإقامة ليجدوا لوحة كبيرة لمحمد علي باشا مؤسس مصر الحديثة، والذي حكم البلاد في الفترة من 1805-1848م، ويتوسط الصورة قرص الشمس الذي اتخذته العائلة الحاكمة كرمز لها.

وطالت أعمال الترميم أغلب هذه القاعات، لتعود تحكي من جديد تاريخ الحضارات التي بنيت على طرازها، والتي لا تزل تحافظ عليه، وهو ما عبر عنه المرشد السياحي محمد خليل بالقول “أيادي الترميم نجحت في إعادة القصر إلى سيرته الأولى وبدت معالمه الجمالية واضحة للعيان وكأنه تم تشييده منذ بضعة أيام وليس منذ قرن من الزمان ويزيد”.

20