قصر الباهية بمراكش تحفة معمارية تكشف أسرارها

قصر الباهية يعدّ أحد القصور العظيمة بمدينة مراكش المغربية أو ما يسمى بالمدينة الحمراء.. أنشأه الوزير أحمد بن موسى، في القرن التاسع عشر، تخليدا لاسم زوجته “الباهية”، وأضحى اليوم تحفة فنيّة تؤرّخ لبهاء معمار مغربي ذي صبغة أندلسية تفيض بتجلياتها الحضارية، ولاسيما بما ترويه من أسرار تاريخ عريق.
الأربعاء 2015/06/03
6000 خادم وجارية كان قصر الباهية يضمهم زمن الوزير بن موسى

تعود بدايات إنشاء قصر الباهية إلى عهد الوزير أحمد بن موسى الملقب بـ”با أحماد”، وذلك خلال فترة حكم السلطان عبدالعزيز. وكان والده الحاجب السلطاني، الحاج موسى، يُلقب بـ”البخاري” لكونه ينحدر من عبيد البخاري الذين يشكلون جيش السلطان العلوي مولاي إسماعيل.

أمّا اسم القصر فهو يخلّد اسم زوجة الوزير “با أحماد”. وتقول الحكايات المتداولة إن “الباهية”، التي يحمل القصر اسمها، تنحدر من قبيلة الرحامنة المتاخمة لمدينة مراكش، وأنها نشأت في أسرة اشتهرت بالعلم والمجد والقوّة.

ويذكر الرواة أنّ الباهية دأبت على التحرّك من قلعة والدها في منطقة الرحامنة إلى رياض العائلة في حي “القنارية” بمدينة مراكش، إلى أن رآها الوزير القوي “با أحماد” وهو لا يزال في مقتبل الشباب، تحت رعاية والده الحاج موسى الحاجب، فخطبها لتكون “شريكة حياته وسيدة قصوره وريحانة زوجاته وزعيمة جواريه وخدمه وحشمه”، مثلما يقول أحد الرواة.

ومن شدة غرامه بالباهية استقدم الوزير أحمد بن موسى أمهر الصناع والحرفيين من مدينة فاس للاشتغال في القصر لمدة ست سنوات متتالية، غير أنّ المنية وافته دون رؤية قصره محتضنا الباهية في أبهى حللها، فقد توفي عام 1890 قبل إنهاء أشغال بناء القصر.

وتقول بعض الشهادات إن الوزير با أحماد كان له أربع زوجات و24 جارية، لكن الباهية كانت زوجته المفضلة نظرا إلى شدة جمالها واتساع علمها.

صاحب القصر، أحمد بن موسى، كان لا يستقدم إلا الموسيقيين العميان، حتى لا يرون نساءه وجواريه

كما تتواتر الروايات عن شدة البأس التي عُرف بها صاحب القصر، من بينها أنّه كان يعمد إلى إخصاء حرس القصر حتى ينتزع منهم الجرأة على الثورة والاقتراب من زوجاته وجواريه، كما كان لا يستقدم إلى القصر الذي يضم ما يناهز 6 آلاف خادم إلا الموسيقيين العميان حتى لا يرون نساءه وجواريه.

وكانت النواة الأولى لقصر الباهية على يد الحاجب الملكي موسى بن أحمد البخاري، والد الوزير الذي تحكّم في الرقاب لاحقا، وتحوّل إلى أسطورة، وكان قد شيّد الرياض الكبير والساحة الشمالية للقصر ثمّ تولى ابنه “با أحماد” استكمال بناء أرجاء القصر، فجمع في البداية حوالي 60 عاملا لبنائه، لكن الأشغال توقفت بهذا الجزء عام 1886.

وبعد وفاة الوزير وانتهاء الأشغال، أصبح القصر من روائع الفن المعماري المغربي في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين.

وقد شهد قصر الباهية تغييرات عدة في عهد با أحماد، وخاصة في قاعته الشمالية الكبرى التي تؤرخ لبنائه بأبيات شعرية منقوشة على الجبس، وتتفرّع أجنحة أخرى عن الصحن الشهير المغطى بالسقائف الخشبية، والمتضمّن لقاعتين وبهوين.

وكان الوزير با أحماد قد استعان بالمهندس المغربي، محمد بن المكي المسفيوي، الذي حوّل العشرات من المنازل والدور المجاورة إلى أجنحة ومرافق متعدّدة على أيدي أمهر الصنّاع القادمين من مختلف المدن المغربية.

قصر الباهية أضحى منذ سنوات موقعا محبّذا لتصوير الأفلام العالمية والعربية

وتحوّل قصر الباهية إلى تحفة معمارية، بما يتضمنه من زخرفة لأبوابه ونوافذه المزينة بما يسمى بـ“التوريق” و“التشجير” لباقات الأزهار والنباتات.

قصر الباهية يعدّ اليوم من ضمن المزارات العديدة التي تتميّز بها مدينة مراكش، وهو وجهة مفضلة للكثير من السياح لا لكونه بناية ومسكنا لأحد رجال الدولة العلوية فحسب، بل لأن الزخارف والفسيفساء والفن المعماري المغربي يشدّ إليه كلّ هواة هذا النوع من الفنون.

بوابة القصر الحديدية المحاذية لأحد شوارع المدينة الحمراء وما يجاوره من محلات تجارية شعبية، تكشف لزوارها عراقة الفن المعماري المغربي عبر التاريخ، وتلوّح بهدوء ذكرياته، مستقبلة الزوار والسياح بطريق تحفّها نباتات وشجيرات تقود نحو الباب الداخلي للقصر.

الزخارف لم تُهمل أجنحة قصر الباهية وقاعاته وملحقاته وأحواضه، فتلك ميزة عامة تخص القصر العريق، فهذه قاعة تفضي إلى أخرى وحدائق فيها نافورات تحيط بها الغرف يتوسّطها صهريج معروف باسم الوزير با أحماد نفسه.

كما لا تزال جدران القصر محافظة، إلى حد الآن، على زخارفها وألوان سقوفها التي أنجزت عند إنشاء القصر، علما أنها تشترك في نسق واحد رغم أنّها تتغيّر من قبة إلى أخرى، بالإضافة إلى النقش الجبسي على الجدران والفسيفساء الملوّنة والبوابات الخشبية التي زُيّنت بالورود وأوراق الأشجار مزدحمة بألوان زاهية بمواد طبيعية.

وتتوسّط الساحة الصغرى للقصر نافورة رخامية مزركشة بألوان زاهية، وهي من بين الأجنحة الخاصة بالوزير با أحماد، ويتداخل بأرضية صحن هذه الساحة البلاط والرخام، وتحيط بها أربع قاعات كبرى ملفوفة بأروقة وأقواس استخدمت بعد ذلك مكاتب للضباط الفرنسيين بمدينة مراكش خلال الاستعمار الفرنسي للمغرب.

يُذكر أنّ المقيم العام الفرنسي في المغرب، الماريشال ليوطي، كان قد اختار قصر الباهية عام 1912 للإقامة فيه. ولم يكن هذا الاختيار اعتباطيا، فمميزات هذه البناية الكبرى تجعل أيّ شخصية تأمل في أن تتخذه مقرا ومقاما لها، علما أنّ شخصيات أخرى ترددت، قبل ذلك على القصر مثل المدني الكلاوي أخ باشا مراكش عام 1906 وكذلك بعده الحاج محمد بن عبدالسلام المقري الذي اختارته السلطات الفرنسية أن يكون “الصدر الأعظم” في المغرب.

كما تجدر الإشارة إلى أن قصر الباهية أضحى، منذ سنوات عديدة موقعا محبّذا لتصوير الأفلام العالمية والعربية على غرار فيلم “علي بابا” لغاريث بولو وفيلم “كازبلانكا” لمايكل كورتيز وأفلام أخرى عديدة، حيث شهد أيضا تصوير مشاهد العديد من المسلسلات العربية التي تستعيد بالخصوص حقبا من التاريخ الأندلسي.

20