قصر الدشداشة وأطل اللحية

السبت 2014/06/28

هي حالٌ بدتْ من فرط خرابها، كما لو أنها جنونٌ جمعيّ أو شذوذ ضد الطبيعة ونواميسها السماوية والوضعية. رغبة قوية في الموت، من طرابلس غربا حتى بغداد شرقا وما بينهما وحولهما من ثغور هشة وأمصار مريضة. انحسار مروّع في بيبان العلم والأدب والعمارة والفنون الجميلة والسلام، بمواجهة طوفان من خرافات وخزعبلات وبِدَعٍ مستلةٍ من دفتر الضلالة السمين، ودثار غليظٌ فوق عيون وصدور الناس.

تصنيعٌ ضخمٌ لعمائم سودٍ وبيضٍ وخضرٍ. تفريخٌ عابرٌ للمنطق وحدّ الله الجميل، لكائنات بشرية بينها وبين العلم والآدمية جبلٌ من نار، فهذه العمامة آية عظمى دام ظلها، وتلك السماحة قُدّسَ سرّها، وذاك الإمام هو روح الله حتى لو قتل الناسَ جميعاً. عمامةٌ تريد منك وأنت المخيم بباب القرن الحادي والعشرين، أن تطيل اللحية وتكنس الشارب وتقصّر الثوب. ثانية تهدر دمك لأنك رسّام ومثّال. ثالثة تجيز لك فضّ بكارة أربع فتياتٍ غضّات يلعبن الختّيلة عند عتبة سنتهنّ التاسعة. رابعة تحدثكَ بحديث نكاحات المسيار والمتعة وإرضاع الكبير والتفخيذ. الصورة الفوتوغرافية النصفية حلال، والمشخصنة الكلية حرام.

تقول له يا مولانا إنّ هذه المسألة شكلية ولا صلة لها بجوهر الله، فيلطمك على حلقك لتبلع نصف أسنانك، ويقول لك إنها والله لمنَ السنّة أيها الولد الضالّ. يقمّطك بحزامٍ ملغّمٍ، ويطبع فكرته المميتة فوق ظهرك ويدفعك دفعاً صوب مسجد وكنيسة ومطعم ومقهى وحشد عمالة على باب الرزق، ثم يعدكَ بعشاءٍ طيبٍ مع النبيين والصدّيقين.

ينبشُ خرافةً مطمورة ببطن التأريخ، وعلى عفنها تسيح بحارٌ من دماء وأنفسٍ حرّمَ الرحمن الرحيم العادل قتلها إلّا بالحقّ، وإذ يضيقُ صدرك وتلوبُ روحك وتعبر الخطّ الأحمر المرسوم لك، وتفتي بأنك مؤمنٌ لكنك تسأل حتى يطمئنّ فؤادك الشكّاك، ينزل عليك هذه المرة من علياء منبره، ويغرسُ في وريدك أبرة الرجل المنتظر، في تأويلٍ سطحيٍّ لفكرة وجوهر المخلّص الذي لن تراه أبداً، بل هو قائم في ضميرك يعينك على إنتاج الحبّ والعمل والتقوى والعلم الذي ينفع الناس.

اختفاء مزرٍ للقوة الليبرالية المدنية التي هرمت وانهزمت وجبنتْ وصارت تتمسّح وتتبارك بأذيال عباءة مخبولٍ بمستطاعه هو الفرد أن يحرك القطيع صوب الوجهة التي يريد ويشتهي.

قلنا وأفتينا في غير موضعٍ وموضع، إنّ الدكتاتورية الدينية لهي أقسى وألعن من الدكتاتورية السياسية، والحلّ حتى تتوقف الدماء وتقوم القائمة المشتهاة هو في تأميم وتمدين وتهذيب الدينيّ وإرجاعه إلى حضن الله وتسويره داخل “فاتيكان” ثم معالجة السياسيّ الممكن جداً.

الدولة الإسلامية في زمن فاروق وجمال عبدالناصر، لهي أجمل وأحلى وأرحم وأعلم وأعدل وأطيب، من الدولة الإسلامية في زمان القرضاويّ والسيستانيّ. الفكرة ممكنة ومتاحة فشدّوا الحيل والحيلة وأنتم أحرار كما ولدتكم أمهاتكم، فإن فعلتم فالفعل عظيم ومبارك من الله، وإن لم تفعلوا، فخيّطوا منذ الليلة لكم ولأبنائكم، دشاديشَ مقصّرة تحت الركبة بإضمامة أصابع.

24