قصر العظم في دمشق.. معلم أثري فريد يعود إلى دائرة الإشعاع الثقافي

القصر الوحيد المتبقي من قصور حكام دمشق، عمل في بنائه نحو 800 حرفي من أمهر الصناع والعمال.
الجمعة 2020/09/25
نموذج فخم للعمارة الدمشقية

دمشق – استعاد قصر العظم الأثري في دمشق القديمة جزءا من دوره في الحياة الثقافية التي تأثرت بإجراءات الوقاية من فايروس كورونا ليعود إلى دائرة الضوء باستضافة حفلات وفعاليات ضمن فعاليات “الثقافة في بيتك”.

وخلال الشهر الجاري نظمت مديرية المسارح والموسيقى ضمن مجموعة أمسيات فنية قدم خلالها  الفنان عزالدين الأمير مع فرقته مجموعة من الأغاني الملتزمة الإنسانية من إنتاجهم مثل “أغني” و”دعوة محبة”.

ويقف قصر العظم شامخا في مدينة دمشق القديمة، وهو واحد من أفضل نماذج العمارة المبكرة للبيوت الدمشقية الكبيرة، ويعد أحد أهم معالم العمارة الإسلامية في دمشق بمساحة تمتد إلى 5500 متر مربع. وقالت مديرة القصر صفاء أبوإدريس، “أسعد باشا العظم اختار موقع هذا القصر بعناية فائقة وبناه عام 1749 ميلادي 1163 هجري عندما كان واليا على إقليم دمشق واختار الموقع الجغرافي للقصر ليستفيد من المزايا الاقتصادية والسياسية لسوقين من الأسواق الرئيسية في المدينة القديمة حيث يتمركز في نقطة تقاطع هامة بين طرق القوافل المارة بالمدينة بين الجامع الأموي وبين الشارع المستقيم شارع مدحت باشا”.

وتابعت أبوإدريس أن قصر العظم هو القصر الوحيد المتبقي من قصور حكام دمشق التي تعتبر أقدم مدينة مأهولة بشكل مستمر في التاريخ حيث عمل في القصر نحو 800 حرفي من أمهر الصناع والعمال من أبناء الفيحاء جندوا خلال ثلاث سنوات من أجل إتمام هذا القصر كما تشير الروايات التاريخية واجتهد وكلاء العمل بحثا عن أعمال فنية في دمشق وجنوب بصرى وبلاد الشام عموما من أجل تزيين مكان إقامة الباشا ومثال ذلك الأعمدة الرومانية المأخوذة من بصرى والموجودة في فناء الحرملك.

وتوزع حول فناء القصر الواسع القاعات والغرف والإيوان الكبير وهو شبه غرفة مفتوحة على ساحة البيت وتمتد أمامه بركة ماء طويلة شبيهة ببركة جنة العريف في قصر الحمراء بغرناطة كما زينت واجهات الغرف والقاعات بمداميك ملونة مغطاة بزخارف فيما غطيت الأسقف بأخشاب ملونة.

ومنذ عام 1954 عملت المديرية العامة للآثار والمتاحف على تحويل القصر إلى متحف للتقاليد الشعبية حيث ضم معروضات من مختلف المناطق السورية عن طريق الإهداء والشراء ليتحول إلى مركز استقطاب سياحي يزوره يوميا أكثر من أربعة آلاف شخص.

ونجد في غرف وقاعات القصر تنويعة كبيرة من التحف والمقتنيات الدمشقية والتقليدية التي تحكي بمجملها قصة شعبية عن الحياة اليومية في البيت الدمشقي كما نشاهد ضمن القاعات معرضا لصناعة الزجاج اليدوية عن طريق النفخ وصناعة أطباق القش وخراطة الخشب مع نماذج من المفروشات الخشبية الدمشقية المحفورة أو المطعمة والمنزلة بالصدف والعاج والقصدير.

ونجد في أركان أخرى من القصر جناحا لصناعة أطباق النحاس وآخر للمنسوجات النسائية والرجالية كما يضم قاعة لمشهد يمثل حياة نساء دمشق وفيها تمثال سيدة جالسة أمام منقل نحاسي به دلة قهوة وهي تحتسي قهوتها أمام تمثال سيدتين تلعبان البرجيس.

وخصصت قاعة في القصر لمقهى شعبي فيه مسرح لخيال الظل والتخت الموسيقي ومشهد لصندوق الدنيا ولشخصين يلعبان لعبة المنقلة.

Thumbnail

وتحوي قاعات قصر العظم نماذج من السلاح المستخدم في الماضي وبعضها يعود إلى القرون الوسطى فضلا عن نماذج من الدروع والخوذ والرماح والسيوف الدمشقية وأغمادها. وينقل كتيب التعرف على قصر العظم الذي ألفته الباحثة الأميركية سنثيا فنلايسون عن روايات تاريخية بأن أعمال البناء المنزلية في دمشق توقفت في هذه الفترة بسبب الخدمة الإلزامية التي فرضها الباشا على النجارين والبنائين لإتمام بناء القصر كما قطعت تمديدات المياه العامة حتى انتهاء أعمال التمديدات الصحية للقصر.

ويعد القصر عالما من الأناقة والمهارة بالصناعة والفنون التقليدية والحدائق والمياه المتدفقة ما يمثل الإبداع وحسن الضيافة السورية من خلال النوافير والحدائق في قصر العظم في مشهد بديع بأشكال متنوعة وتتمتع كل واحدة منها بتصميم فريد بعضها كبير يرش الماء في الهواء ليرطب جو الإيوانات حيث يجتمع أفراد العائلة لتبادل الأحاديث والراحة في فترة ما بعد الظهر والمساء وبعضها الآخر يتدفق على صحيفة رخامية السلسبيل في غرف الاستقبال الخاصة والحمامات بينما يعطي بعضها الماء على شكل متاهة دائرية تتسابق فيها براعم الورود لتصل إلى مركز حجارة المتاهة ناشرة شذاها في الجو.

واستخدم في بناء القصر ما يزيد عن ألف شجرة وفق حسابات من الفترة العثمانية أرسل بعضها كهدية لأسعد باشا من قبل حكام الأقاليم الذين رافقوا الباشا في حكمه لإقليم دمشق واستخدمت الكثير من هذه الألواح الخشبية في بناء هيكل القصر وعدد كبير من أشجار الحور أصبح جزءا من السقف الخشبي متعدد الطبقات والمزخرف والذي يدل على غنى البيوت في تلك الفترة.

كما زينت الكثير من السقوف داخل القصر بالخشب المزخرف بتصاميم نباتية هندسية وبفن الخط العربي والملون بألوان قوس قزح واستخدم الجص والصمغ العربي لعمل سطوح مزخرفة نافرة لتعزيز التركيبة الفنية سمي بالعجمي وتحتوي قاعة الاستقبال على السقف الأكثر زخرفة وغنى من البيت لأنها استخدمت لاستقبال ضيوف الباشا المميزين. وزخرفت ببذخ بالرخام والنافورات الداخلية وكتب فوق الباب من الداخل تشييد أسعد باشا العظم باني هذا القصر سنة 1749 ميلادي 1163 هجري.

واستخدم الخط العربي لزخرفة السقوف وغالبا ما كتبت به سور من القرآن الكريم والحكم أو النصوص الفلسفية والأبيات الشعرية أو المديح.

20