قصر باردو مقر حكام تونس عبر العصور وحافظ تاريخها

الاثنين 2014/08/11
يضم المتحف الوطني بباردو مجموعة فريدة ومميزة من الفسيفساء

تونس- بعد الثورة التونسية وتفاعلا مع الأزمة الاقتصادية التي مرت بها تونس، برزت فكرة خصخصة بعض المواقع الأثرية التي تعاني الإهمال على غرار المتحف الوطني بباردو، ورغم تفنيد وزير الثقافة التونسي لهذا التصوّر، إلا أن الفكرة عززت مخاوف فئات واسعة من المثقفين التونسيين، اعتبارا للأهمية التاريخية والرمزية والثقافية التي تمثلها المواقع الأثرية، وخاصة المتحف الوطني بباردو.

خصخصة المواقع والمعالم الأثرية التي واجهت رفضا وتنديدا واسعين من قبل الفئات والهياكل المهتمة بالشأن الثقافي والتاريخي، تطلبت ردا من وزير الثقافة التونسي مراد الصقلي الذي أكد “أن التراث لا يباع″.

وأوضح أنّ هناك بعض المواقع الأثرية لا قدرة للوزارة على الاهتمام بها ماديا، كما أن بعضها معرّض للنهب، وبين أن عقود خصخصة المواقع الأثرية ستكون في شكل لزمات لمدة 25 سنة أو أكثر لكن تحت المراقبة العلمية للمعهد الوطني للتراث والوكالة الوطنية للتراث، مشيرا إلى أن الدولة باستطاعتها استرجاع المواقع في حال مخالفة أي بند من بنود العقد.

وأكد أن المتحف الوطني بباردو لا تشمله مسألة التفريط في المواقع الأثرية للخواص لما يمثله من أهمية تاريخية، ومن واجب الدولة أن تحفظه وتسخر الموارد المادية اللازمة للعناية بما يضمه من قطع أثرية تحفظ الذاكرة الوطنية وتؤرخ للحضارات التي مرت بتونس.

يشار إلى أن هذا المتحف أحدث سنة 1882 وتم تدشينه سنة 1888 تحت اسم المتحف العلوي، ومنذ استقلال تونس، أطلق عليه اسم المتحف الوطني بباردو، وصنف كمعلم تاريخي في سبتمبر 1985. المتحف يتخذ مقرا له قصر باردو وهو أحد قصور البايات، بني في القرن التاسع عشر منذ عهد الدولة الحفصية. ومنذ القرن السابع عشر اعتنى بايات الدولة المرادية بمقر قصر باردو وجعلوه مقر ملكهم، وكان هذا الاختيار نتيجة حرص المراديين على الابتعاد عن منافسيهم الدايات وضباط الجيش التركي المقيمين بالعاصمة.

سمي المتحف العلوي نسبة لعلي باي، وكان الهدف من إنشائه حفظ الآثار المتأتية من الحفريات التونسية

أما البايات الحسينيون فقد نسجوا على منوال سابقيهم من المراديين فاتخذوا باردو مقرا لدولتهم ورمموا ما تركه المراديون وشيدوا القصور والبناءات المتنوعة، حتى أصبحت باردو بمثابة مدينة صغيرة لها سورها وأبراجها وجامعها وسوقها ودكاكينها وحمامها ومدرستها.

وقد اختار مؤسس الدولة الحسينية حسين باي بن علي (1705- 1735) ومن جاء بعده من البايات باردو مقرا لسكناهم ومركزا لإدارتهم، ولا ينتقلون منه إلى القصور الأخرى مثل قصر منوبة وقصر العبدلية وحمام الأنف إلا للراحة.

حرص البايات على المساهمة في تطوير باردو والزيادة في فخامة قصورها غير أنه بداية من عهد أحمد باشا باي (1837- 1855) فضل البايات الإقامة في قصور أخرى. فأحمد باي، رغم البناءات الفخمة التي أحدثها في باردو (قاعة العرش الكبرى) وتأسيس المدرسة الحربية ودار السكة كان له شغف بالمحمدية التي سكنها بمجرد بناء القصر سنة 1942.

أما محمد باي فقد أحدث في باردو قصره البديع رغم أنه كان يميل للإقامة في قصره بالمرسى وتجدر الإشارة إلى أن قصر باردو ما انفك يقوم بدوره كمقر رسمي للدولة الحسينية ومحل عرشها وقاعدة حكمها، فاستمرت المواكب الرسمية تقام فيه خاصة مواكب البيعة وتقديم التهاني في العيدين كما احتضن موكبي الإعلان عن عهد الأمان عام 1857 وعن دستور البلاد عام 1861.

يعتبر قصر باردو تحفة معمارية تاريخية إلى جانب ما يتضمنه من قطع أثرية

معماريا يمثل قصر باردو نموذجا من أروع نماذج الفن التونسي بكامل مظاهر تطوره من أوائل القرن الثامن عشر إلى أواخر القرن التاسع عشر من حيث الهندسة المعمارية وفنون التزويق والنقش بمختلف أصنافها (الجبس والجليز والخشب والسقوف المذهبة).

ومن أبرز الأجنحة الجديدة إلى جانب الجناح الإسلامي، نجد “قاعة اليهودية” التي تبرز جوانب هامة من التراث اليهودي التونسي.

نواة قصر باردو بنيت سنة 1574، وتم توسيعها مرات عديدة على أيدي الملوك العثمانيين الذين تعاقبوا على حكم تونس والقصر مقسم اليوم إلى جزئين، جزء يحتضن مجلس النواب سابقا المجلس التأسيسي حاليا، ومعلم يمثل متحف باردو، ويبعد 4 كم عن العاصمة وقد شيد في البداية ليكون قصرا لحريم العائلة الحسينية بنمط معماري تونسي أندلسي.

شيد القصر من قبل الحفصيين وقام بترميمه حمودة باشا المرادي (1631- 1666) واستطاع ابنه مراد الثاني إعادة تنشيطه وإحياء حياة البذخ كما وصفها الرحالة تيفيو في دفاتر رحلته عام 1653 بقوله “باردو تتألف من ثلاثة أدوار غير بعيدة عن تونس فيها عدد كبير من النوافير والأحواض المحفورة في الرخام المستورد وقاعة مفتوحة على الهواء الطلق تتوسطه فسقـية وبلاط أرضي من الرخام الأبيض والأسود كما هو الشأن في جميع الغرف الأخرى المزخرفة بالذهب واللازورد والنقش على الجبس″.

تحول القصر إلى متحف أنشأه المدير الأول لقسم الأثريات التونسية رينيه كوراي دو لا بينشار، في عهد الحماية الفرنسية عن فكرة لخير الدين باشا. سمي المتحف العلوي نسبة لعلي باي الذي تولى الحكم من 1882 إلى 1908. وكان الهدف من إنشائه حفظ وحماية وعرض المجموعات الأثرية المتأتية من الحفريات التونسية.

حافظ المتحف التاريخي (أي القصر القديم لحريم “محمد باي”) تقريبا على كامل مجموعاته الشهيرة من الفسيفساء والمنحوتات الرومانية ووقع إدماج عدد من فضاءات الترجمة بمسار الزيارة للتعريف بالتراث الوطني بطريقة تعليمية ولتوضيح تطوراته التاريخية .

12