قصر صاهود شاهد على حرب الأتراك والقبائل العربية في السعودية

قد لا تكفي كتب التاريخ لتحفظ الأحداث وخاصة منها الحروب، إذ تعتبر الشواهد المادية، كالمتاحف وما تحتويه من أسلحة والثكنات والقلاع والقصور، دليلا حيا على ما دوّنته هذه الكتب في صفحاتها فتدعم الحقائق وتفنّد المزاعم، وقصر صاهود أبرز مثال على ما شهدته المملكة العربية السعودية من حروب.
الأربعاء 2016/05/25
قصر صمد طويلا أمام الهجمات

جدة - يعتبر قصر صاهود من أهم المواقع التراثية التي تقع في حي الحزم أحد أحياء مدينة المبرز، بمحافظة الأحساء في المملكة العربية السعودية، والتي شهدت حروبا بين الأتراك وقبائل العرب قديما.

وبدأت عمليات إنشاء القصر عام 1790 وامتدت حتى العام 1800، أي في أوائل عهد بني خالد، وهم قبيلة عربية سكنت الجهة الشرقية من المملكة امتد ملكها من عمان جنوبا إلى البصرة شمالا. وحاولت القبيلة تشكيل تاريخها داخل هذه المنطقة من خلال تشييد القصور والحصون، وتمكنت من اختيار موقع قصر صاهود نظرا لمكانته المتميزة، وقامت ببناء أكبر قصر بمدينة المبرز على مساحة مستطيلة الشكل تحتل قلب المدينة، لذلك كانت له أهمية قصوى خاصة في أوقات الحرب، فقد استخدم كثيرا في الدفاع عن المدينة.

وأطلق على قصر صاهود هذا الاسم نظرا لموقعه الذي كان يتسم بتعرضه الدائم لصهد الشمس، كما أن هذا الموقع تميز بوجود عدد كبير من الأسلحة الثقيلة التي استخدمت في الدفاع عن المدينة، وعلى رأسها مدفع “صاهود”، الذي نسب إليه القصر في ما بعد من قبل قادة قبيلة بني خالد.

ومنذ ذلك الحين أخذ القصر شهرة هذه الأسلحة، وبدأ استخدامه في الدفاع عن المدينة والمحافظة عليها، فضلا عن المدن المجاورة والأراضي الزراعية التي سكنها البدو وأقاموا بها مخيمات لحراسة مزارعهم، وبعد ذلك تحول القصر من وسيلة لصد هجمات الغزاة الرحالة إلى مكان لسكن جيش شبه الجزيرة العربية الذي بدأ في تكوينه الملك عبدالعزيز بعد توليه إدارة شؤون المملكة، لمحاربة بقايا قبيلة بني خالد التي سيطرت سيطرة كاملة على الأحساء، ولكن ظل البعض منها بالمحافظة لرعاية تجارته.

وتعرض قصر صاهود للعديد من عمليات السطو أبرزها هجوم الجيش العراقي بقيادة سليمان باشا الوالي العراقي وقتذاك، بعدما قام بتكوين جيش عريق اتجه به نحو الأحساء ومدينة المبرز مقر قصر صاهود، وحاصروها مستخدمين كرات اللهب والمدافع لمهاجمة القصر والتخلص من أهالي المحافظة الذين سكنوا القصر دفاعا عنه، ولم تستطع القوات العراقية هدم القصر أو السيطرة على المبرز وذلك لحسن إدارة المعركة من الداخل.

ورسم الجيش العراقي خطة لمعاودة الاعتداء على القصر باستخدام أبراج خشبية تقوم برمي كرات اللهب عن بعد، لكن المعركة انتهت بهزيمة الجيش العراقي، ما مثل فرصة لقادة الجيش السعودي من المحاصرين داخل القصر للخروج منه والبدء في أعمال الترميم ليعود التصميم المعماري للقصر مثلما كان سابقا.

وفي بداية العام 1871 أمر الأتراك قادة الجيش بضرورة السيطرة على الأحساء وقام عبدالعزيز السلطان العثماني وقتذاك بتكوين حملة عسكرية ضخمة للهجوم على الأحساء والاستيلاء على القصر، وتضامن معه فيها الوالي الجديد لبغداد مدحت باشا وعقدا اتفاقيات تتضمن تقسيم الأحساء والمناطق المجاورة لها بينهما.

وعندما رأت الدولة السعودية ما يحدث في قصر صاهود، وكيف تم القضاء على المعالم التراثية المجاورة له، تحركت وحاولت إعادة تكوين جيشها مرة أخرى، وفي العام 1913 دخلت الدولة في حرب مع الجيش العثماني وانتهت بهزيمته وعودته إلى العراق، وبعدما تمكنت الدولة السعودية من إخلاء القصر والأحساء من أفراد الجيش العثماني، قامت بإجراء تعديلات على القصر ودعمته بالحصون والأسوار الضخمة لمنع العثمانيين من السيطرة عليه.

ويقول الخبير الأثري، كريم الهادي عن تصميم قصر صاهود، “يتكون من سور ضخم بني من الطوب اللبن الذي استبدل بعد ذلك بالأحجار الضخمة. يوجد بين كل ضلعين من أضلاعه برج دائري الشكل يتكون من طابقين يستخدمهما قائد الجيش في مراقبة أوضاع المدينة الأمنية، وأضيف مع التعديل برجان آخران أحدهما في منتصف السور الشمالي والآخر بالسور الجنوبي، وبعد مرور أعوام قليلة أضيف برج ثالث أعلى السور الغربي، لكنه شيد هذه المرة على شكل مربع لمراقبة المدخل الرئيسي للقصر الذي يوجد أسفله”.

وأضاف أنه “يوجد بعد المدخل الرئيسي في الجانب الجنوبي للقصر جناح يتكون من ست غرف خصصت لنوم الجنود المكلفين بحراسة القصر، تليه غرفة كبيرة تسمى ‘المستودع’، تحتوي على درج قديم بني من الطوب اللبن يؤدي إلى السقف الذي تتوسطه قبة صغيرة. وفي الجهة المقابلة لها توجد بئر لجمع الماء ترافقها عدة أحواض تستخدم في تخزين مياه الشرب والوضوء، أما في الجانب الشمالي من المدخل فتوجد غرفة الضيافة التي تحتوي على مدخلين أحدهما يؤدي إلى جناح الجنود والآخر يؤدي إلى المسجد ويضم رواقا يطلق عليه بيت الصلاة ومنبرا، وله ثلاثة مداخل أحدها يؤدي إلى دار الضيافة والآخران يؤديان إلى الساحة التي تتوسط قصر صاهود”.

ويوضح الهادي أن أسقف قصر صاهود كانت في بداياتها تتكون من الطين المختلط بجذوع النخيل والحصى، ثم شيدت أثناء التعديلات التي أدخلتها الدولة السعودية بعد انتهاء الحرب بينها وبين الجيش العثماني، من الأحجار التي حملت فوق أعمدة ضخمة بينما استخدمت الأخشاب في صنع أبواب القصر.

20