قصص أردنية تروي خسارات العرب المعاصرين

الكاتب الراحل إلياس فركوح من المجددين في القصة والرواية العربيتين في العقود الأربعة الماضية حيث طور تجربته بالغوص داخل شخصياته.
السبت 2020/10/31
الكتابة تعالج تصدعات الأحلام (لوحة للفنان يحيى زكي محمد)

يمكن للأدب استعادة ما ضاع منا والتأسيس لما نحلم به، الأمر ليس خدعة ولا هو سحر أو وهم، إنه حقيقة كاملة، حيث ببساطة يستخرج الأدب الأفكار بسلاسة من داخل الشخصيات والأحداث وكل ما يتناوله، ويقدمها للقارئ الذي يمكنه أن يضيء من خلالها طريقه. هذا الأدب هو ما حاول التأسيس له الكاتب الأردني الراحل إلياس فركوح.

على مدى عقود ظل الكاتب الأردني الراحل إلياس فركوح واحدا من أبرز القصاصين والروائيين في الأردن. وبالرغم من أنه بدأ بكتابة القصة القصيرة أواخر ستينات القرن الماضي، فإن تجربته نضجت في الثمانينات، وبدا خلالها كأنما يولد قاصّا جديدا، حسبما يروي، قاصا بات يرى في التفصيل الواحد حياة غير محدودة، ومن ثم لا يعوّل على لحظة بعينها يعتقد أنها تُظهر حقيقة الشيء أو يقينه.

وقد خلص إلى أن التفصيل يتضمن تحولات هي حياة بذاتها، بينما كانت الحياة، من قبل، لا تكتمل لديه إلاّ بحشد كمّ كبير من التفاصيل. وتلازم هذا التحول مع إحساسه الجديد باللغة، إذ صار لها وقعها التناغمي، ليس شعرا، لكنه قريب من الشعر في شفافيته المخاتلة.

مرآة السرد

في نوع من التكريم لإلياس فركوح أصدرت حديثا منشورات العائدون للنشر والتوزيع في عمان، ضمن سلسلة مختارات العائدون الإبداعية، مختارات من قصصه بعنوان “إلياس فركوح فاكهة الرجل الأخيرة”، كتب لها الناقد فخري صالح مقدمة بعنوان “إلياس فركوح راوي خسارات العرب المعاصرين”.

سيرة إلياس فركوح الإبداعية
سيرة إلياس فركوح الإبداعية

يقول صالح إن فركوح “واحد من المجدّدين في القصة والرواية العربيتين في العقود الأربعة الماضية، وعكف، على مدار مجموعاته القصصية السبع، على تطوير تجربته والغوص داخل شخصياته القصصية، محاولا التعرف على الواقع الاجتماعي والسياسي الذي تتحرك ضمنه هذه الشخصيات. وهو ما يمنح الكتابة السردية لديه القدرة على وصف الأعماق، وتأمل الصراع الداخلي للشخصيات، بالانتقال من الوصف الخارجي للعالم إلى الغور عميقا في ما يعتمل في وعي شخصياته ولاوعيها أيضا”.

ويبيّن صالح أن فركوح استخدم قدرته في الحفر داخل الشخصيات، وتقليب مشاعرها نحو ما يدور خارجها من أحداث وصراعات، وما يعبر في ذهنها من ذكريات، لكي يلقي ضوءا كاشفا على التصدعات التي أصابت الحلم بدولة عربية قومية ديمقراطية، عبر هزائم وخسارات متوالية تركت علامات غائرة في كتابة جيله من المبدعين والمثقفين العرب.

ويذهب صالح إلى أن رغبة فركوح لفهم ما حدث، منذ ولادته في عام النكبة الفلسطينية (1948)، هي التي دفعته إلى تفحّص الكوارث المتوالية، التي تبعت ضياع فلسطين، عبر مرآة السرد، القصصي، ثم الروائي، وكذلك المقالة الأدبية ذات البعد التأملي الفلسفي، إضافة إلى الترجمة.

ويوضح الناقد أن إلياس فركوح، رغم العدد القليل من المجموعات القصصية والروايات التي أصدرها، استطاع أن يكون من أهم كتاب القصة والرواية في الأردن والعالم العربي منذ تسعينات القرن الماضي، ومن ممثلي كتابة الأعماق في السرد العربي الراهن، كما هو الحال لدى كل من الكتّاب إدوار الخراط، محمد البساطي، محمد خضير، غالب هلسا، محمد عزالدين التازي، حيدر حيدر، وآخرين.

مبدع ملم بالتفاصيل

الراحل إلياس فركوح استخدم قدرته في الحفر داخل الشخصيات (لوحة للفنانة ريم ياسوف)
الراحل إلياس فركوح استخدم قدرته في الحفر داخل الشخصيات (لوحة للفنانة ريم ياسوف)

يرى صالح أن مجموعة فركوح “طيور عمان تحلق منخفضة”، الصادرة عام 1981، يمكن القول إنها تستحق أن يُطلق عليها صفة الأولى على صعيد النضج الفني، ففيها يسعى القاص إلى تصوير أحلام شخصياته البسيطة وآمالها، معتمدا أسلوب التداعي، الذي يكثر من استخدامه في قصصه، راصدا نبض الشخصية الداخلي وتفاصيل حياتها الصغيرة.

ويضيف صالح “رغم أن هناك تواصلا في شكل الكتابة القصصية لدى الكاتب، عبر الاهتمام بشخصيات تنتمي إلى الطبقات الاجتماعية الدنيا، والتركيز على المهمّشين من البشر، فإننا نلحظ في الوقت نفسه تحولا في كتابة فركوح، حيث يلجأ إلى تطعيم نصوصه بلغة الشعر وأفقه الدلالي”.

كما أن فركوح “يبرع في استخدام التفاصيل وقيامه برسم انعكاس المشهد الخارجي على العالم الداخلي للشخصيات، وكذلك تفضيله الدائم لأسلوب التداعي والحوار الداخلي الذي ينقل إلى القارئ ما تفكر به الشخصيات”.

ويخلص الناقد إلى أن جميع أعمال فركوح القصصية والروائية بشكل عام تقوم على بناء مركب متداخل تتقاطع فيه الحكايات والمصائر، كما يتشكل المعنى الضمني للنص من هذا التقاطع المحكم للمصائر والحكايات.

وكتب مدير الدار ومحرر منشوراتها الشاعر عمر شبانة كلمة على غلاف الكتاب أشار فيها إلى أن هذه المختارات لكاتب صاحب قامة إبداعية رفيعة، قصصية وروائية، لها حضورها الأدبي والثقافي، محليا وعربيا، قامة تستحق التقدير.

وأضاف “نحن هنا نحتفل بصاحب هذه التجربة ومسارها الإبداعي، ونفخر بتقديمه ضمن هذه المختارات القصصية للتعريف بمحطات وتحولات في نتاج هذا المبدع، من مجمل مجموعاته القصصية، نستطيع من خلالها النظر في عوالمه ومناخاته، ونُطل على عالم الطفولة، عالم الرجل والمرأة في أحوال الحب، جسديا وروحانيا، وعلى أسئلة الواقع والوجود والفلسفة التي جاء منها دارسا”.

جميع أعمال الكاتب القصصية والروائية بشكل عام تقوم على بناء مركب متداخل تتقاطع فيه الحكايات والمصائر

يذكر أن إلياس فركوح روائي ومترجم وكاتب مقالات أيضا، توفي في 15 يوليو الماضي عن عمر ناهز 72 عاما، وصدرت له في مجال القصة القصيرة 7 مجموعات منها “الصفعة”، “طيور عمان تحلّق منخفضة”، “إحدى وعشرون طلقة للنبي”، “من يحرث البحر”، “أسرار ساعة الرمل” و”حقول الظلال”. وفي مجال الرواية “قامات الزبد”، “أعمدة الغبار”، “أرض اليمبوس” (وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة “البوكر” في دورتها الأولى عام 2008).

وفي مجال الدراسة والمقالة قدم الكاتب 6 مؤلفات نذكر منها “ميراث الأخير”، “بيان الوعي المستريب: من جدل السياسي – الثقافي”، “الكتابة عند التخوم: الذات الراوية هي الرواية”، “النهر ليس هو النهر: عبور في أسئلة الكتابة والرواية والشعر”.

ولفركوح أيضا إسهامات بارزة في مجال الترجمة، حيث قدم للمكتبة العربية 7 كتب منها قصص “آدم ذات ظهيرة”، “نيران أخرى”، “القبلة”، رواية “الغرينغو العجوز” و”جدل العقل: من حوارات آخر القرن” (بالاشتراك مع حنان شرايحة)، وحصل على
جائزة أفضل مجموعة قصصية من رابطة الكتاب الأردنيين عام 1982 عن مجموعته “إحدى وعشرون طلقة للنبي”، وجائزة الدولة التشجيعية عام 1990 عن روايته “قامات الزبد”، وجائزة الدولة التقديرية عام 1997 في حقل القصة القصيرة.

13