قصص أردنية تمسك العالم من حلقه وتنبئ بفنائه المؤجل

السبت 2014/06/28
البستاني: أشن حربي على العالم وعلى ذواته الفاعلة

عمّان – عن دار العين بالقاهرة صدر مؤخراً للقاصّ والكاتب الأردني هشام البستاني (من مواليد 1975)، كتاب قصصي بعنوان “مقدّماتٌ لا بدَّ منها لفناءٍ مؤجل”، وفيه يواصل هذا المبدع السير في المسالك السرديّة التجريبيّة التي تنهض عليها رؤيته الإبداعية منذ كتابه الأوّل “عن الحب والموت” ومروراً بكتابه الثاني “الفوضى الرتيبة للوجود” وحتى كتابه الثالث “أرى المعنى”.

“مقدماتٌ لا بدَّ منها لفناءٍ مؤجل” هو متاهةٌ قصصيّة حرص البستاني على كتابتها وفق تقنية الدوران اللولبيّ، إضافة إلى توظيفه فيها تقنيّات الالتباس بين الواقع والهلوسات، متناولاً بالسؤال ثيماتٍ متصلة بتأمل الحياة والموت، والعنف المرافق لهما بكل أشكاله.

في حفل توقيع الكتاب الذي انعقد في عمّان قبل أيام، قال القاص محمود الريماوي إن هشام البستاني “يتجلى في كتابه هذا ساخطاً ناقماًعلى العالم.. عالم البشر دون بقية الكائنات”.

وأضاف قوله: “وفي غضبه هذا قلما يكشف البستاني عن الحب الذي أودعه في قلبه للكائنات البشرية العمياء، فلا محل للرومانسية ولا موضع للنزعة العاطفية عنده، مفسحا بدلاً من ذلك مساحة لواقعية حسية تنبض بغضب صميمي وكياني يأتي على طريقة كتابة انفجارية، الغضب وما هو أبعد منه: ازدراء العالم والهزء بتماسكه، وقد اتخذ المؤلف منه موقف التباعد عنه، لكن بغير توقف عن الانشغال الحميم بمجرياته”.

وأشار الريماوي أيضاً إلى أن الكاتب “يتغيا كسر صورة التماسك، ونفي العقلانية التي يتسربل بها عالمنا، والتأشير إلى عبثٍ يفعل فعله تحت السطح، ويردّ عليه ويناهضه مطلقاً العنان لجنون الرؤى واجتراح الصدمات، عسى أن تنتقل العدوى إلى قارئه فيخرج من الطمأنينة الزائفة، ويتمكن من أن “يمسك العالم من حلقه” كما يرد في نص القصة الأولى في المجموعة وهي بعنوان “قبل النهاية بلحظة واحدة”، وهي قصة تشتبك مع واقعة فظيعة من وقائع الانتفاضة السوريّة، وترويها من ثلاث زوايا: القاتل، والقتيل، والمشاهد.

وتحدث الريماوي عن بعض من الخصائص الأسلوبية للبستاني وتقنياته الكتابية، فذكّر الحضورَ بأنّ البستاني “ينتمي لجيل غضب عربي جديد، بل يبدو في طليعة هذا الجيل رابطاً بين حداثة أدبية لا تحدّها حدود، وبين رؤية تغييرية جذرية تكشف عنها القصة الأولى التي تتناول محطة دامية من محطات الربيع العربي. يمتد غضبه لينال كل شيء، بما في ذلك مواضعات السرد المستقرة".

هاجس البحث عن الحرية يقود الكاتب الى معاينة كل الفضاءات والقارات من أجل الإمساك بها

وأضاف الريماوي قوله:"القصة لديه قد تبدأ ولا تنتهي. أو تبدأ من نقطة النهاية. أو يتدخل السارد لكسر إيهام الأدب، وأدبية الأدب بعبارات مقتحمة، أو انعطافات مفاجئة ذات عنف رؤيوي. أو يقوم الكاتب بتوسيع المشهد القصصي إلى ما لا نهاية حتى تغيم البؤرة المركزية، ثم تتعدد البؤر الدالة، وهو ما فعله الكاتب عن وعي فنيّ مسبق، فأطلق على كتابه ‘متاهة قصصية’، ينعقد فيها قران سعيد بين نزعة سريالية وأخرى واقعية “.

وتابع البستاني قوله:"إن الكاتب يضيق بحدود اللغة، بعجزها وجدرانها، وبثبات تأويلها لدى الذائقة العامة، كما يضيق بجمود وظيفة الفن وتطهيريته، فالبستاني لا ينزع إلى تفريغ قارئه من شحنات العنف أو الألم على سبيل المثال، بل إلى تأجيج هذه الشحنات، ويجنح إلى تعبيرات مموسقة تشحن اللغة بإيقاع موسيقي يخفت تارة ويشتد أطواراً أخرى، ولا يلبث أن ينتقل بخفة من الموسيقى إلى مشهديات سينمائية، وكذا الحال في معانقة النثر السردي للشعر، ثم الانعطاف من السرد القصصي إلى الخطاب شبه المسرحي للأبطال وكأننا حيال مونودراما.. وذلك كله وفقا لاجتهادات نظرية ورؤى نقدية تتجاوز الفصل بين الفنون والأجناس الأدبية، وتقر بتأثيرات عميقة وعضوية متبادلة ما بينها، بل بتنقلات حرة بينها داخل النص الواحد.”

من جهته قال الناقد مجدي ممدوح في مداخلته: “تنخرط نصوص البستاني المتضمنة في مجموعته الجديدة في قضية شائكة وجد متطلبة، هي قضية البحث عن الحرية داخل النسيج الوجودي الانساني، داخل كينونة الانسان، لان البحث عنها خارج هذه الحدود هو بحث في زمان ومكان خاطئين، فالحرية لم توجد، ولا ينبغي لها ان توجد خارج الزمكان الوجودي الانساني”.

وأضاف ممدوح: “هاجس البحث عن الحرية يقود مبدع النصوع الى معاينة كل الفضاءات والقارات من أجل الامساك بها، ومعاينة كل حالات الاستلاب الحياتي والوجودي التي تسلبنا هذه الحرية، والتوصيف الذي تقدمه نصوص هشام لحالة استلاب الحرية هو ‘الخصاء’، ‘الخصاء’ المتأتي عن فقداننا للحرية داخل نسيجنا الوجودي، ولا فرق بين الذكورة والأنوثة، فكلاهما يتعرض للخصاء جراء انعدام الحرية”.

وأشار ممدوح إلى أن البستاني وفي سياق بحثه المحموم عن الحريّة، نراه يذهب إلى عالم فيزياء الكم، حيث لا يقين، ولا حتميّة، وحيث يوجد الحدث الفيزيائي في كل حالة ممكنة، ويوظّف البستاني هذا العالم الكوانتومي في كتابته الأدبية، في بادرة رائدة وطليعية. وعن مجموعته الجديدة قال البستاني في تصريحات خاصة بصحيفة العرب أن “الكتابة التفاؤلية والرومانسية والمستغرقة في الذات هي أقرب الى السذاجة والسخافة في عالم يقترب كل يوم أكثر فأكثر إلى حافة فناءه، ويشهد كل لحظة مئات المآسي والجرائم والفظائع التي لا يستوعبها عقل”.

مثل هذا العالم، يقول البستاني، هو “عالم لا عقلانيّ بالضرورة، عبثيّ إلى أقصى الحدود. ليس في ذلك جديد. الجديد هو أنني أشن حربي عليه وعلى ذواته الفاعلة –البشر- بالأدب القصصي، وأسلحتي تتضمن الثيمات والمواضيع التي أقاربها من جهة، وشكل البناء القصصي من جهة ثانية، والمتلقي/القارئ نفسه من جهة ثالثة”.

ويعلن البستاني بوضوح: “من يريد قراءة خفيفة وترفيهية فليبحث عن كتاب آخر. من يريد الطمأنينة والراحة فليبحث عن كتاب آخر. من لا يريد أن يرى ويرفض التساؤل، فليبحث عن كتاب آخر. من يريد تسويات مع الوضع القائم فليبحث عن كتاب آخر. أنا أكتب لنبش الأسئلة وكشف الفظائع المتوارية خلف اليومي والمعتاد. كل لحظة من لحظات وجودنا جريمة. الكل يعرف هذا ويتواطؤ عليه. أنا أطرحه للتأمل بكل بشاعته، مستعملاً في سبيل ذلك تقنيات كتابية تفتح آفاق الامكانات والاحتمالات والرؤى.”

16