قصص أنثوية عن أشواق المرأة في مجتمع أبوي

يقيم القاصّ في منطقة بين الرّوائي والشّاعر، فالأوّل هو كائن التّفاصيل بامتياز، والثاني هو كائن الرّموز، والقاص يصنع عوالمه من التّفاصيل والرّموز معا، نتذكّر هنا قولة لزكرياء تامر في أحد حواراته يقول فيها: كلّما جلست مع الشعراء قالوا لي أنت سارد، وكلما جلست مع الروائيين والقاصين قالوا لي أنت شاعر.
الخميس 2017/02/16
امرأة تحكي عن أناها المختلفة (لوحة للفنان صفوان داحول)

لا تخرج تجربة القاصة التونسية وئام غداس من خلال مجموعتها “أمشي وأضحك كأني شجرة”، عن دائرة القلق بين السّرد والشّعر، فمن العنوان نصطدم بتشبيه لامعقول يذكّرنا بالجملة الشّعرية الشّهيرة للشّاعر الفرنسي بول إيلوار الأرض زرقاء كبرتقالة. فغياب العلاقات المنطقية للتشبيه يخلق صدمة لذهن المتقبّل، ويفتح بابا لتأويل ما ينتظره من تعذيب على رأي فورستر في وصفه لسرديات ما بعد الحداثة، والتي تهتك النسق التقليدي للحكاية، لكن كلّ هذه المخاوف تذوب مع القصّة الأولى إذ نكتشف بساطة سردها المشحون بظلال شعرية خفيفة، يمكن القول إنّ القاصّة تحرّك الواقع بملعقة المجاز، وهي تذكّرنا بأسلوب الواقعيّة السحريّة، فهي تأخذ الواقع وتمنحه أجنحة من خيالاتها.

الأنا تحكي قصتها

ما يلفت النظر في قصص وئام غداس من خلال مجموعتها “أمشي وأضحك كأنّي شجرة”، الحائزة على جائزة الشارقة للإبداع العربي 2016، اهتمامها بالتّصديرات لقصصها، فأغلب القصص صدّرتها بمقاطع شعرية في الغالب، والتصدير يدخل ضمن النصوص الموازية كما يعرفها جيرار جينات، وهي من شروط النّص الحديث، إذ تدخل ضمن رؤيته التّناصيّة.

والكاتب الذي يشتغل على تصدير نصوصه يشبه الحاوي في لعبه بالأفاعي، فالتّصدير إن كان ساطعا غطّى على النّص المُصدّر وحجبه، وإن كان خافتا أصبح من الزّوائد التي لا لزوم لها في النّص. لذلك كان على الكاتب التّفطن والتّعامل بذكاء مع التّصديرات، وأحسب أنّ القاصّة وفّقت إلى حدّ بعيد في تصديرات قصصها بمقاطع كانت بروقا لأمطارها نقرأ مثلا قصّة “ظلّ محسن” التي صدّرتها بمقطع شعريّ لمازن معروف يقول فيه “أمشي.. لا لأمشي، بل لأحقّق رغبة ظلّي بأن أرافقه وهو يتنزّه”.

نقطة الضّوء التي رسمها مقطع التّصدير أخذته القاصّة وأشعلت به مصباح قصّتها، فالظّل الذي كان يتنزّه في مقطع الشاعر أخذته القاصة وجعلته بطلا في قصّتها، يروي تفاصيله اليومية وهو يتبع صاحبه، والقصّة تذكّرنا برواية الكاتب الأميركي سانفورد التي يروي فيها حكاية رجل باع ظلّه لأحد الغرباء وعاش بلا ظلّ، لكنّ الظّل في هذه القصّة كان بشكل أرجوز، لكن هذا الأرجوز لا يظهر مجسّما لحكايات محرّكهِ ولاعبه وإنما هو ظهر في القصّة كي يحكي محنته.

كتابات امرأة لها أكثر من وجه

يقول أكونور في كتابه النقدي “ستّ نزهات في عالم السرد” حول التّمييز بين القاصّ والرّوائي: إنّ الإنسان في الرّواية مصوّر على أنّه حيوان اجتماعي يعيش في جماعة، بينما يصوّر الإنسان في القصة القصيرة على أنه صوت رومنطيقي مبحوح ومعزول، ينكفئ على ذاته.

تأكيدا لمقولة أكونور نجد أغلب قصص هذه المجموعة عدا قصّتيْ “وحدة” و”هالوين” تدور حول الذات الكاتبة، ومن “الأنا” الرّاوية تتحرك كل التفاصيل والشخصيات بما يخلق النسق القصصي، و”الأنا” تحضر هنا بالأسلوب الواقعي لامرأة متعددة وبمشاغل متعددة، فهي الفتاة التي تسهر على مرض أبيها كما نقرأ في قصتها “دائرة في الزمن” أو في قصة “ساق بابا”، وهي عاشقة الشاعر الستيني كما نقرأ في قصة “فاصل بين حياتين”، وهي المرأة الأفريقية من جنوب السودان كما تظهر في قصة “عمي فرج”. كما تحضر “الأنا” بالأسلوب الأمثولي “الأليغوري” في شكل سمكة تعيش في حوض أكواريوم وتحكي قصتها كما نقرأ في قصة “سمكة فراشة مكتئبة” أو في شكل ظلّ يرافق صاحبه ويروي تفاصيل حياته كما تظهر في قصة “ظلّ محسن”.

لعبة التحولات

في مجموعتها البكر، تبدو وئام غداس مشروع تجربة مختلفة عمّا عهدناه من كليشيهات الأدب النّسوي العربيّ، والذي لم يخرج من شرنقة الإيروسي إمّا في جانبه المثير وإما في جانبه المتمرّد، عدا بعض التجارب القليلة التي حلّقت في فضاءات جمالية وتعبيرية أبعد، وتجربة غداس من ضمن هذه التجارب، فهي وإن كانت تروي أغلب قصصها بلسان امرأة، فنظرتها إلى الجنس الآخر، لم تكن تحرّكها فكرة الرّجل الشّرقي المستبدّ والتي أفحمتنا بها أغلب التّجارب الأدبيّة النسائية العربية، إنّما هي خلقت “رَجُلها” كما تريد هي، وهي تؤكّد ذلك في قصة “فاصل بين حياتين” حين تقول “أنا هكذا.. أكمل كلّ شيء في مكان ما، أغيّر الأحداث بما يتناسب مع تصوّري لما كان يجب أن يكون، أحرّفها وأرسم وحدي مسارها الأصحّ، أجلب حياة أخرى إلى غرفتي وأراقبها بمتعة وهي تسير”.

والقاصّة تذهب أبعد في لعبتها هذه خاصّة في قصّة “ساق بابا”، فالسّاق المبتورة تَبْعث فيها الحياة، بل إنّها تصبح كائنا منفصلا عن جسد أبيها، ولا تكفّ عن الرّكض.

في بِنْية قصصها استفادت القاصّة كثيرا من بِنْية قصيدة النّثر، خاصّة في الخواتم، وهذا ما جعل قصصها مركّزة على الأفكار التي تدور حولها، دون السّقوط في زوائد السّرد.

14