قصص الأطفال العربية النشأة والتطور

الأحد 2017/07/09
لوحة: محمد عرابي

تأخر أدب الأطفال العربى في الظهور بشكله الحالي مما يؤكد الصعوبات التي واجهته لكي يخرج إلى النور، كما يؤكد حداثة الاهتمام به كلون خاص من ألوان الأدب يهتم بعالم الصغار، برغم أن أول تسجيل في تاريخ البشرية لأدب الأطفال يرجع إلى ثلاثة آلاف سنة قبل الميلاد، وقد وجد مكتوباً على أوراق البردي في مصر، ويمثل قصة “جزيرة الثعبان”، وهي قصة سفينة هبت عليها عاصفة فأغرقتها، ولم ينج منها سوى بحار واحد (لذا تعرف القصة أحيانًا بالملاح الغريق)، لفظته الأمواج على جزيرة، ليجد بها ثعبانًا، فلما طلب منه العون في محنته، استضافه الثعبان ملك الجزيرة حتى مرت سفينة قريبة، سلط عليها الثعبان الريح لتدفعها إلى الجزيرة، ورأى ربان السفينة البحّار فحمله معه، وحمَّله الثعبان هدايا من الجواهر إلى ملك مصر.

كذلك سجلت البرديات قصة “الملك خوفو” ثاني ملوك الأسرة الرابعة القديمة، وباني الهرم الأكبر، حين انتابه السأم يوماً وأحس بالملل، فاستدعى أبناءه الصغار، وطلب منهم أن يُسَرّوا عنه، ويقصوا عليه أحسن ما عرفوه من القصص التي وقعت في عهود الملوك السابقين، وكان أول الصبية “خفرع”، فقص على الملك قصة “التاج الفيروزي”، وتلاه أخوه الأوسط، فقص قصة “الأمير المقضي عليه بالهلاك”، ثم جاء دور الثالث، فقص على أبيه الملك قصة “الثور المسحور”.

وإذا تأملنا ما وصل إلينا من الحكايات المصرية القديمة للأطفال نجدها قد مرت بمراحل التطور حتى وصلت إلى مرحلة النضج الفني من الحديث إلى الحكاية، والقصة وهذا يدل على الاهتمام الكبير الذي كان يلقاه أدب الأطفال عندهم من ناحية، كما يدل على الثروة الضخمة من الحكايات التي كان يستمتع بها أطفال المصريين القدماء. وكما أن القصص المصري القديم للكبار قد اتصل، وهاجر إلى الحكايات الهندية والعربية، وحكايات “ألف ليلة وليلة”، وإلى حكايات أوروبا، فقد تسرّبت كذلك قصص الأطفال المصرية القديمة، وامتدت إلى شعوب العالم في آسيا وأوروبا، وقد استلهم وولت ديزني (Walt Disney) السينمائي الشهير فكرته عن الكارتون وشخصياته من زيارة قام بها إلى مقابر المصريين القدماء، ورأى فيها قصص الأطفال المصورة.

وإذا كانت بدايات أدب الأطفال ترجع إلى فجر الزمان، فإنه يمكن اعتبار القرن العشرين هو بداية كتابة وتسجيل أدب الطفل بمصر والعالم العربي؛ حيث بدأ الاهتمام بأدب الطفل، مع إرسال أول بعثة عربية مصرية إلى أوروبا في زمن محمد علي. وبدأ أدبُ الأطفال يدخل قلوبَ العرب وعقولَهم عن طريق طلبة البعثة العربية المصرية، ونتيجة لاختلاط الأدباء والشعراء العرب بأدباء وشعراء الغرب. وكان أول من قدّم كتابًا مُتَرْجَمًا عن اللغة الإنكليزية إلى الأطفال هو رفاعة الطهطاوي فترجم قِصَصًا تُعد من حكايات الأطفال، وأدخل قراءة القصص منهاجًا في المدارس المصرية، واستعان بكتب الأطفال الأجنبية وأمر بترجمتها ليقرأها التلاميذ المصريون.

وجه الأدباءُ "في تونس" وجهتهم إلى الكتابة للأطفال، كتب محمد العروسي المطوي كثيرًا من القصص الناجحة، والقاضي الجيلاني، وترجم أحمد القديدي قصصًا كثيرة ومتنوعة من الآداب العالمية

إلا أن الاهتمام بأدب الأطفال كاد يتلاشى بعد وفاة رفاعة الطهطاوي؛ إذ تَدَهْوَرَ التعليمُ في مصر إلى حد كبير، حتى ظهر الكاتب محمد عثمان جلال في حكاياته تحت عنوان "العيون اليواقظ في الأمثال والمواعظ". لكنها أهملت نظرًا لركاكة أسلوبها وما تضمنته من أخطاء، وتلاه جلال الكاتب بما قدمه في كتابه "نظم الجمان من أمثال لقمان" ولكن جاءت الحكايات أقرب إلى ذوق الكبار منها للصغار.

وقد بدأ أدب الطفولة عند العرب بالفعل على يدي الشاعر أحمد شوقي في نظم الحكايات على أسلوب لافونتين الشهير، وفي هذه المجموعة القصصية التي صدرت عام 1898، علمًا بأن شوقي لم يكن المبتدئ في هذه الكتابات الأدبية على لسان الحيوان، وإنما وجدت من زمن الحضارات العتيقة (عربية وهندية وغيرها). فالحيوانات، بصداقتها المتنوعة مع الأطفال، تشكل جسرًا فاعلاً وناطقًا في نقل المعرفة للطفل، وقد كتب شوقي لصديقه خليل مطران الشاعر والأديب، يناشده السير معًا في هذا النوع من الأدب ويأخذ من أسلوب الغرب ونهج العرب، ولكن "مطران" ترك ذاك لشوقي، ثم أخذت الدائرة تتسع لتظهر خلال أعوام ما قبل الحرب العالمية الثانية أعمال قصصية مثل قصص “السوبرمان”، ولم تكن ترتبط بالحياة المصرية والعربية كثيراً، بل كانت ترجمات كاملة ونقلاً عن المجلات والقصص الأجنبية أيضًا، إلا أن ظهور محمد الهراوي جعل هذا الأدب يرتفع للأعلى: فقد كتب "سمير الأطفال للبنين" ثم "سمير الأطفال للبنات"، وكتب لهم أغاني وقصصًا منها "جحا والأطفال" و"بائع الفطير".

ومع الحرب العالمية الثانية وقبيل سنة (1952) أخذ كامل الكيلاني ومحمد سعيد العريان وغيرهما يهتمون بآداب الطفل، ويترجمون الكتب والقصص والمعلومات ويصدرونها في سلاسل أو مجموعات سميت بأسمائهما، واهتمت هذه المجموعة بنشر سلاسل عربية ومحلية عن “ألف ليلة وليلة” و”كليلة ودمنة”، وكانت تكتب بلغة سهلة وحروف واضحة، وكان هدفها تزويد الأطفال بالمعارف والمعلومات الدينية والاجتماعية والقومية، فقد كان أدب الطفل حينئذ جزءاً من رسالة التربية والتعليم. ومن أهم ما ألف كامل الكيلاني قصص: أصدقاء الربيع، زهرة البرسيم، في الاصطبل، جبارة الغابة، أسرة السناجيب، أم سند وأم هند، الصديقتان، مخاطرات أم مازن، العنكب الحزين، النحلة العاملة، وقد أكمل تلك المسيرة حامد القصبي.

وفي لبنان فى فترة لاحقة ظهر كُتّاب اهتموا بأدب الأطفال، وعلى رأسهم كارمن معلوف وفي مرحلة الستينات من القرن العشرين، برزت حركة نشطة تعتني بمطبوعات الأطفال من خلال "دار الفتى العربي"، هذه الدار التي كان لكثير من الكتاب الدور البارز في استمرارها ونهضتها، منهم زكريا تامر من سوريا الذي كتب قصصا للأطفال ترجم بعضها إلى لغات أجنبية.

ومن الكتّاب العرب في سوريا الذين أمدوا المكتبة العربية بنتاجاتهم الشعرية والنثرية للأطفال سليم بركات وسليمان العيسى. وفي الأردن كان هناك عدد من البارزين أمثال الشاعر أحمد حسن أبوعرقوب الذي كتب بعضَ الأناشيد والقصص، ومحمد القيسي وإبراهيم نصرالله، وهؤلاء من كتاب القصة المتميزين. وكذلك ظهر في فلسطين بعضُ الأدباء المهتمين بالطفولة والأطفال أمثال الشاعر علي الخليلي الذي أصدر مجموعات شعريةً عن الأطفال وعبدالرحمن عباد له مجموعاته "ذاكرة العصافير" و"ذاكرة الزيتون" و"ذاكرة البرتقال"، وهي عبارة عن قصص تحكي الحياة بأصوات النباتات والطبيعة والإنسان الذي يعيشها. وفي العراق ظهر الاهتمام بالطفولة مع الشاعرين الكبيرين الرصافي والزهاوي، وكلاهما له ثقافته الخاصة، وفيما بعد، ظهر جيل من الأدباء المهتمين بالأطفال.

وفي دول الخليج العربي نجد اهتمامًا بالأطفال؛ إلا أنه متفاوت من مكان إلى آخر حسب الظروف والإمكانات المتاحة. ففي المملكة العربية السعودية حظي أدب الأطفال بنصيب وافر من الاهتمام، ومن المهتمين بالأطفال وأدبهم عبده خال وعبدالرحمن المريخي. وظهر في "ليبيا" كاتبان اهتما بالأطفال وقصصهم هما يوسف الشريف ومحمود فهمي وكذلك وجه الأدباءُ "في تونس" وجهتهم إلى الكتابة للأطفال، كتب محمد العروسي المطوي كثيرًا من القصص الناجحة، والقاضي الجيلاني، وترجم أحمد القديدي قصصًا كثيرة ومتنوعة من الآداب العالمية. وفي الجزائر أصدرت "الشركة الوطنية للنشر والتوزيع" كتب الأطفال باسم "سلسلة الأدب" كـ"سبّور" وغيرها. والذي ينظر في الأدب العربي المعد للأطفال في المغرب العربي الكبير يجد أنه تأخر بعض التأخُّر عن العراق ومصر والشام، وذلك لأسباب عدة متداخلة تتمثل في محاولة الاستعمار طمس الهوية الثقافية والوطنية والقومية للشعب العربي.

من هنا نرى أن جلّ الدول العربية قد ساهمت مساهمةً فعالةً في تطوير أدب الأطفال، وإن لم تكن الدول متساويةً في الرؤى والتوجهات وتحقيق الأهداف.

كاتبة من مصر

ينشر الملف بالتعاون مع "الجديد" الشهرية الثقافية اللندنية

14