قصص الأطفال لا تشبههم

عندما ينحى الكتّاب نحو الوضع المثالي للحياة فيما لا تلاقي الحكايات الواقعية التي تعكس الواقع كما هو اهتمامهم، فإنهم بذلك يقدمون صورة مغلوطة عن الواقع للأطفال.
الجمعة 2018/06/08
يمكن للرسوم المتحركة أن تمثل حلقة الوصل بين الطفل والعالم المحيط به

الرسوم المتحركة كانت ومازالت ركنا أساسيا في حياة الأطفال، وقد تربت أجيال على مسلسلات وأفلام الكرتون التي لعبت لسنوات طويلة أدوارا ترفيهية وتربوية وتعليمية.

في عصرنا الحالي يقضي الأطفال ما لا يقل عن 6 بالمئة في المتوسط من أوقات يقظتهم في متابعة برامج مختلفة من الصور المتحركة على الفضائيات.

ومن المنظور العلمي، فإن استنفاد هذا القسط من الوقت لا بد أن يفسر بأكثر من مجرد وسيلة للترفيه والتسلية. ومن ثم حدد علماء نفس وخبراء اجتماعيون فوائد عدة محتملة للرسوم المتحركة.

يمكن للرسوم المتحركة أن تمثل حلقة الوصل بين الطفل والعالم المحيط به، ومن خلالها يتعلم الكثير من العبر والدروس، التي تتيح له فهم طبيعة الحياة، إضافة إلى أنها تساهم في نمو إدراكه المعرفي والحسّي والعاطفي، وتجعله يميز بين المشاعر السلبية والإيجابية.

وهناك أبحاث علمية عديدة تقول إن الرسوم المتحركة تعد شكلا من التدريب المحفز للمدارك العقلية، بما يجعل الذهن عبر تجسيد شبيه بالواقع يتصور استراتيجيات تساعده على التصرف في المواقف الحياتية المختلفة، خاصة في ما يتعلق منها بالمعاملات الاجتماعية. ليس هذا بالأمر الجديد بطبيعة الحال. فمنذ القدم يشكل الخيال والقصص الروائية المستقاة منه بمثابة مصادر للإيحاء، بما تحمله من رسائل وإشارات يتم تضمينها في قصص ذات طابع إنساني وخيالي في الوقت نفسه.

ونستحضر هنا التعديل الذي أحدثه الروائي البريطاني نيل غايمان على مقولة للكاتب الإنكليزي الكلاسيكي غلبرت كايث تشيسترتون ليجعلها أكثر جاذبية في روايته “كورالاين” التي صدرت عام 2002 وتحولت في عام 2009 إلى فيلم للأطفال، والتي قال فيها “الحكايات الخرافية أكثر من حقيقية، ليس لأنها تخبرنا بأن التنانين موجودة، بل لأنها تخبرنا كذلك بأن هناك إمكانية لإلحاق الهزيمة بهذه التنانين”.

ولكن رغم أن الكثير من مسلسلات وأفلام الكرتون تناصر وبقوة حقوق الإنسان وتنشد العدالة الاجتماعية وتعارض الحروب، إلا أنها لا تنجح في إثبات إخلاصها لمثل هذه القضايا والقيم الإنسانية بسبب طابع شخوصها الخارقة والخرافية.

لا شك في أن قصص الرسوم المتحركة من نسج خيال الكتاب ومن حقهم أن يكتبوا ما يريدون، ولكن حينما يتعرض الطفل وخاصة في مراحل عمره الأولى إلى مشاهد تخيّلية تراكمية، فإنه سيجد صعوبة في التمييز بين ما هو واقعي وما هو خيالي، مما يخلق لديه مفاهيم مشوهة وغير متطابقة مع الواقع الذي يعيش فيه.

وعندما ينحى الكتّاب نحو الوضع المثالي للحياة أو يغرقون في عالم الخيال في القصص الموجه للأطفال، فيما لا تلاقي الحكايات الواقعية التي تعكس الواقع كما هو اهتمامهم، فإنهم بذلك يقدمون صورة مغلوطة عن الواقع للأطفال.

وقد اعترض عالم البيولوجيا البريطاني ريتشارد دوكينز على القصص الخرافية التي تروى للأطفال، والتي يرى أن لها تأثيرا سلبيا على قدرة الطفل على التحكيم العقلاني والتفكير المنطقي.

تبقى الكتابة في النهاية ملكا للجميع، لكن براعة الكاتب وحدها هي التي تجعل الصغار والكبار جزءا من قصة أكبر حتى من تلك التي تخصهم. ولا شك أن الخيال ليس مجرد مهرب من الواقع، وإنما هو وسيلة للتعمق فيه بشكل أكبر، وما سيتمخض عن الخيال سيشكل أمرا لا يُستهان بقوته وفعاليته في مجتمعات اليوم المتشظية.

21