قصص الخريف الأخير تقاوم العدم باجترار الذكريات

الكاتب حسين عبدالرحيم سعى في مجموعته "الخريف الأخير لعيسى الدباغ" إلى التعبير عن ذوات مأزومة تعيش عالما كابوسيا، كشفها في حلقات سردية متوالية جاءت كل حلقة منها كلوحة قصصية.
السبت 2019/08/24
شخصيات كابوسية متداخلة (لوحة للفنان منيف عجاج)

على عكس ما يعتقد البعض يعرف فن القصة القصيرة عربيا محاولات تجريبية هامة، ذهبت بهذا الجنس الأدبي إلى أقاص جديدة يشتبك فيها مع فنون أخرى ويجدد مضمونه وشكله. إذ ما زالت القصة القصيرة قادرة على تحمل إمكانات وطاقات إبداعية كبرى وعلى الدخول إلى عوالم جمالية مختلفة.

“الخريف الأخير لعيسى الدباغ”، هي المجموعة القصصية السادسة للكاتب المصري حسين عبدالرحيم الفائز بجائزة الدولة التشجيعية في القصة القصيرة 2018 عن مجموعته “شخص ثالث”، وتتجلى في القصص مجموعة سمات كثيرة سبق أن لاحظها قارئ أعماله السابقة، فنصوصه تقترب من القصة اللوحة، تعبر عن ذوات مأزومة تعيش عالما كابوسيا وتعاني في واقع اجتماعي مضطرب، وهي شخصيات نفى عنها فرانك اكونور في “الصوت المنفرد” صفة البطولة ليس بسبب أزمتها الفردية، وإنما بسبب هامشيتها، وعدم تصالحها مع الشعور الجمعي من حولها، لذلك فهي تعيش ماضيها باجترار الذكريات، فيما يُعتبر نوعا من الرفض لحاضر سيئ، يسحقها ويدعوها إلى النسيان، فتقاومه بيقين أن الذكرى دليل على الوجود ومقاومة العدم.

كذلك تجلت في المجموعة آثار التجربة الطويلة لكاتبها مع الفن السينمائي، فمن خلال عمله الصحافي حاور الكثيرين من نجوم السينما، وتجلت كذلك في العنوان الذي يتناص مع بطل رواية “السمان والخريف لنجيب محفوظ، وبطل الفيلم المأخوذ عنها، كذلك تكرار ذكر المخرج حسام الدين مصطفى وعلاقة الراوي به في أكثر من قصة، وفي قصتي “حسن كبريت” تحضر شخصية المصور السينمائي، وفي قصة “حليم القبطان” يحضر الريجيسير والمخرج، كما اعتمد في بناء العديد من القصص على المونتاج الزماني والمكاني.

الذات في حلقات

حبكات ثانوية متعددة
حبكات ثانوية متعددة

تشكل النصوص الثلاثة الأولى في المجموعة حلقة قصصية يعرفها فورست إنجرام بأنها “مجموعة من القصص القصيرة ترتبط إحداها بالأخريات، إلى درجة يتعدل معها فهم القارئ لكل قصة من خلال فهمه للقصص الأخرى”، وهي حلقة تم ترتيبها بحيث تشكل نسقا ما، في نص “حسن كبريت (1)” يحكي الراوي العليم عن حسن كبريت قائلا إنه “ليس بفاقد الذاكرة”، وهو أتم العقد السادس من العمر، أو السابع إلا قليلا، لا يجزم النص فالرجل نفسه لا يهتم كثيرا بما مضى من عمره، لكنه يهتم بوساوسه وخوفه أن تتهشم جمجمته وقت عبوره لأي طريق، فيظل حبيس شقته، لا يفتح الباب لطارق، مؤثرا تأمل صور الراحلين المعلقة على الجدران، ولا يتابع أحداث الثورة التي يشهدها الشارع إلا عبر التلفزيون.

 وفي “حسن كبريت (2)” يحكي الراوي بضمير الأنا، وكما بدأ النص الأول بالتأكيد على أنه ليس بفاقد الذاكرة، بما يفيد اضطراب شعوره بالزمن لأسباب أخرى، يبدأ النص الثاني بقوله “كان الزمن يتلاشى”، وهو يقف على عتبات السبعين لكنه قد غادر شقته، يبحث عن شخص ما، يسير في الشوارع وهو يتحسس رأسه وما فيه من أخاديد ورؤوس مدببة، ولأنه لم يفقد الذاكرة فقد تذكر ذلك الذي استوقفه عنوة منذ عقود، وضربه على وجنته اليسرى بمطواة قرن غزال، فحينما خرج عاقدا العزم على الثأر من الغريب “خطفني الغريب بمدية في وجهي”، يبحث عن الفاعل حتى يجده، فيحكي “هويت بالزجاجة على رأسه، وباليسرى رشقت الموس من جانب الأذن حتى وجنته اليسرى، وأنا أصرخ عدت لك”.

هكذا ثأر لنفسه بعد سنين، ويبدو أن عزلته في النص الأول كانت لاستشعاره عار الهزيمة، لذلك لم يمنحه الكاتب حق الكلام وأسند حكايته إلى راو عليم يحكي عنه بضمير الغائب، بينما في النص الثاني حكي عن نفسه بعدما غادر عزلته ساعيا لإدراك ثأره.

 وفي النص الثالث “الصيف الأخير” يحكي عنه الراوي دون أن يبوح باسمه، لكن يبدو أنه حسن كبريت نفسه بملامحه الجسدية والنفسية، كما أنه يسير في نفس الفضاءات ولا يحصي سنين عمره، وبعنايته برصد آثار مرور الزمن، ففي القصة الأولى يصف الراوي رأسه الذي تساقط الشعر منه، ويذكر عرضا زوجة ماتت ومحاربا قديما سافر ليبحث عن والده الغائب، وفي النص يجتر ذكريات كثيرة تؤكد إحساسه بمرور الزمن عليه.

 وإذا كان نصي حسن كبريت قد تراوحا في تصويرهما للذات بين داخل الشخصية وخارجها، فإن النص الثالث يعود إلى خارج الشخصية بعدما ثأرت لنفسها، وتتأمل بعد خروجها الفضاء المحيط، لتلحظ ذبول أوراق أشجار السرو، في دلالة مزدوجة، فمن ناحية تشير إلى أثر مرور الزمن على كل من الشخصية والمكان الذي تتحرك فيه، ومن ناحية أخرى تشير إلى أن ما تعرضت له الذات من تشوه أدى كذلك إلى تشوه العالم.

لوحات قصصية

تمثل الحلقات العشر المتوالية “السيرة” نوعا من الحلقة القصصية المؤلفة، أي المكتوبة من البداية على أنها كل متصل، فالمؤلف كتب القصة الأولى من حلقته القصصية وفي ذهنه تصور كامل لمجموعته، ويمثل الراوي فيها رابطا مهما يشكل ثيمة محورية فيها، وهي ثيمة تمتاز بها الحلقة القصصية وهي الترجمة الذاتية للراوي أو الشخصية، وقد جاءت كل حلقة من الحلقات العشر كلوحة قصصية، وهي تختلف عن ذلك الشكل القديم الذي عرفته القصة القصيرة في بواكيرها، فهي تعتبر سمة حداثية يمتاز بها القص عند حسين عبدالرحيم، فهو يقوم بتفتيت البنية الكلية للقصة إلى عدد من البنى الجزئية، مع الحفاظ على الوحدة القصصية، بمعنى أنه يقوم ببعثرة الحدث على امتداد اللوحات فنحصل على حبكات ثانوية متعددة بدلا من الحبكة الواحدة الأساسية، مما يؤدي إلى وجود مستويات مختلفة داخل القصة وتعدد إمكانيات التأويل.

الحلقات السردية المتوالية تمثل نوعا من الحلقة القصصية المؤلفة، أي المكتوبة من البداية على أنها كل متصل

فالقصة اللوحة ليست مجرد وصف أو تصوير ثابت بل يمثل الصراع فيها الجزء الفعال من الوصف، فالقاص في كل لوحة يقوم بتجميد الزمن عند لحظة ما، ثم يعمق هذه اللحظة من خلال الرسم في المكان، وهو ما نجد تمثيله في اللوحة الآتية  “أنا الممدد فوق كرسي فوتيه، أفتش عن نفسي، فوق المقعد، بعيدا نسبيا عن مدخل الفندق، على صوت البحر. كنت قد بدأت أفكر في عزلتي بعمق، المقعد نبيذي محشو بالقطن ومنجد بقطيفة. يشعرني بدفء ما، أستسلم للأصوات بوعي. تنفلت ذكريات جمة، يعتليني صوت البحر، بهدر مخيف يفوق ذعر الطوفان الذي حكى لي عنه جدي البحار قديما في مدينة الحرق والغرق، والتي شهدت ميلاد الغلام. أرقب الباب الزجاجي، تائها، ما بين ماض وحاضر وذكريات. معيشة آنية، تخايلني سيسيليا.. وينهمر الضباب. الغمام كثيف في طرقات الإسكندرية، قدمي باردة ترتجف ليقتحمني صوت الهدر والوشيش، أو أضطر لاستدعائه، أتدفأ بالذكريات”.

14