قصص باكستانية جريئة عن الحرية والتسامح

الكاتب مسعود مفتي ابتكر عالمه السردي الخاص ومصطلحاته التي تكفل له التعبير عن كل ما يختلج بذاته وسعى في ما أنتجه إلى تمثيل الواقع والبيئة والعصر.
الاثنين 2019/01/07
مسعود مفتي كاتب كسر تقاليد الكتابة

القاهرة- إن الكتابة قلق لا ينتهي وهم إبداعي لا قبل لمبدع به ما لم يطور آلياته، والأديب الحق هو الذي لا يقف عند حدود النور في الكتابة، بل يتعداها إلى حدود العتمة لينير المظلم منها ويلامس بسحر كلماته، كما أن الانتقال من لون أدبي إلى آخر في الكتابة يحسب للأديب، خصوصا إذا أثبت قدرته على امتلاك زمام هذا اللون الذي أراد خوض غماره.

وهذا هو حال الكاتب الباكستاني مسعود مفتي الذي تحول بين كتابة القصة والمسرح والرواية والصحافة والسيرة الذاتية والأدب الساخر، وفي كل هذا نجده مولعا بالتجريب، حيث كسر تقاليد الكتابة التي جعلت وعي القارئ أوتوماتيكيا يعرف نهاية العمل الإبداعي من الصفحة الأولى، ويصبح النص عاجزا عن ملامسة هموم الإنسان المعاصر وقلقه وهذا هو العدو الأكبر للكتابة.

وتؤكد الباحثة هند عبدالحليم محفوظ في كتابها “الخطاب القصصي عند مسعود مفتي” أن مفتي ابتكر عالمه السردي الخاص ومصطلحاته التي تكفل له التعبير عن كل ما يختلج بذاته، وكأننا بتفاصيل القصة ومساحة البوح والسرد فيها غير كافية ليقول ما يود قوله.. فكانت التنهيدة مساحة، والهمسة مساحة، وتفاصيل القصة مساحة أخرى. وبين كل هذه المساحات فضاء للمتلقي يطلق فيه العنان لذاته ليبدي رأيه بحرية تامة.

خصوصية لا مثيل لها
خصوصية لا مثيل لها

ولهذا لن يكون مسعود مفتي عرضا عابرا في تاريخ الثقافة الباكستانية الحديثة بما سادها من روح التجديد، وإنما يقع في صلب هذه الثقافة من خلال صوته الروائي والقصصي والمسرحي، الذي امتاز بخصوصية لا مثيل لها.

وفي رأي المؤلفة إن أهم صفات أدب مسعود مفتي هي الجرأة والوضوح والبساطة. ومن هنا ندرك لماذا جاءت أعماله ذات مبنى سردي قصصي بسيط، لأن ذلك يساعده على البوح وإيصال الفكرة. وهي نصوص يكتبها أديب يعتز بفرديته قدر اعتزازه بشعبه، كما يمتلك مفتي اطلاعا ثقافيا هاما جسده من خلال لغة أدبية بسيطة لكنها ساحرة في إلمامها بالحدث وتقديمه للقراء.

وتؤكد محفوظ أن مسعود مفتي من الكتاب الذين أخلصوا لفن القصة القصيرة، وسعى في ما أنتجه من مجموعات قصصية إلى تمثيل الواقع والبيئة والعصر بكل ما ينطوي عليه ذلك من خصوصية، تبرز عمق صلة القاص بمجتمعه وبيئته.

ومن أبرز القضايا التي تناولها مفتي في مجموعته القصصية “سالكَره: عيد الميلاد”، التباس العلاقة مع الآخر، والازدواجية الدينية والتعايش السلمي بين الأديان المتعددة، والإعلاء من شأن العقل ومحاربة الشعوذة والخرافات وكتب الدجل، كما تطرق إلى مواضيع أخرى جريئة مثل نقده للفساد الاجتماعي واستغلال النفوذ والرشوة، والاعتزاز بالموروث الديني وتوظيفه داخل النصوص، ومناصرة الفلاحين المظلومين والمسحوقين في المجتمع وحمايتهم من الاقطاعيين، والانشغال بالإنسان في كل مكان، والانحراف الاجتماعي داخل المجتمع.

ويضم الكتاب قسمين، الأول عبارة عن دراسة، بدأتها الباحثة بتوطئة عنوانها “مسعود مفتي: حيلته وأعماله الأدبية” حيث قدمت نبذة عن نشأته وتعليمه وأسرته ومشوار حياته الأدبية وأهم الجوائز التي حصل عليها، ثم قدمت عرضا لأهم أعماله الأدبية في الرواية والمسرح والقصة القصيرة وكتابة المذكرات والأدب الساخر والريبورتاج.

وتناولت محفوظ في هذا القسم البحث في “القضايا الفكرية في المجموعة القصصية ‘سالكَره: عيد الميلاد‘ دراسة موضوعية” متطرقة إلى القضايا الاجتماعية التي سلط الكاتب الضوء عليها، مثل قضايا الشرف، تجاوزات النظام الإقطاعي، الفساد الاجتماعي، القيود الاجتماعية ونظرة الكاتب للمرأة. كما أبرزت كذلك “القضايا
الحضارية والثقافية” التي طرحها مفتي في كتاباته مثل: إشكالية العلاقة بين الشرق والغرب، ومسألة الحرية التي يرى أن لها ضوابطها وحدودها، كما انفتح الكاتب حتى على قضايا شعوب أخرى مثل تناوله لسر تقدم المجتمع الياباني، فيما لم يغفل إحياء التراث في قصصه التي نادت بالحرية والتسامح.

وخصت المؤلفة القسم الثاني من كتابها لترجمة مجموعة “سالكَره: عيد الميلاد” التي تحتوي على اثنتي عشرة قصة نذكر من بينها “سالكَره، شرمنده، جاند تارا، احترام، خدا كا نام، فرست كلاس، عالمي بازار، مين، انتظار” وغيرها، ليتمكن القارئ العربي من الاطلاع على نمط قصصي مختلف لكاتب يعد من أبرز رموز الأدب الباكستاني في القرن الماضي. جدير بالتنويه أن كتاب “الخطاب القصصي عند مسعود مفتي” للدكتور هند عبدالحليم محفوظ صدر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب.

14