قصص تفضح سلوك الطغاة

السبت 2013/11/02
الكاتب أبو حطب يفصل الواقع الانساني في مجموعته القصصية الجديدة

"بعد جزّ عُنق الطفلة، نظر الجنديّ إلى حذائها، بحسد"، بهذه القصة القصيرة جدا، التي تنبض بالصورة والحركة، يختم الكاتب الفلسطيني عماد أبو حطب، ابن بيروت وخريج دمشق وبغداد، والمقيم في ألمانيا منذ سنوات، مجموعته القصصية التي حملت عنوان "أحمر صاخب"، التي صدرت في دار العين في الاسكندرية، منذ شهور قليلة، واحتوت على 173 قصة من القصص القصيرة جدا، التي تعالج هموم الإنسان العربي اليوم، وخصوصا ما يتعلق بالثورات العربية في وجه الطاغية، والمجازر التي يرتكبها، إضافة إلى هموم اجتماعية وثقافية متعددة.

في انطباع أوليّ، نرى الكاتب يذهب إلى موضوعه مباشرة، وبسخونة تليق بسخونة الأحمر الصاخب الذي أعطاه عنوانا لمجموعته، فهو يكتب بتلك الحرارة التي لا تحتاج إلى استعارات أو مداورات، لكن هذا لا يمنع بروز نزعة ذهنية تحمل دلالات رمزية في الكثير من نصوص الكتاب، رغم واقعية الكثير منها، غير أنها واقعية منقولة إلى الحيز الذهني والرمزية الواضحة في محمولاتها، بحيث تفتح باب التأويل على وقائع محددة من واقعنا العربي اليوم.


الدكتاتور الجزار


لا يتورع الكاتب عن التأشير، مباشرة أيضا، أو بالإيحاء والتلميح، إلى الوضع في سوريا عبر حوادث ووقائع ملموسة، لكنه لا يسمي مكانا بعينه في نصوصه، فهو إذ يعرض ملامح شخصية الدكتاتور والطاغية والجزار لا يدع مجالا لتأويلات خارج الإطار السوري، وإن كانت هذه الشخصية يمكن أن تتشابه مع شخصيات أخرى، إلا أنها تتفرد بملامح خاصة. فهناك ملامح من البيئة السورية حتى لو لم يتعرض لها الكاتب مباشرة، فهناك "ياسمينة بيضاء مجففة" تحتل مساحة من المشهد القصصي.

إنه يقدم تصويرا مكثفا لحال الإنسان العربي عموما، ففي النص الذي أوردناه في مطلع هذه القراءة نرى مستوى السخرية السوداء التي يختزل من خلالها حجم البؤس الذي وصل إليه الجندي، وهو في نهاية الأمر كائن بشري، لكنه هنا يفتقد إلى أي حسّ إنساني، فلا يرى من الطفلة سوى حذائها، ويحسدها عليه بعد أن قتلها ورأى دمائها تنزف.

يؤشر هذا أيضا على مدى الانحطاط الذي بلغه البشر في علاقاتهم، لأنهم محكومون بسلطة دموية، وخضعوا لتربية فاشية أيضا.

قصص تكشف مدى دموية الحاكم


الضحية والجلاد


يكرر المؤلف في ثيمات محددة، تتعلق بالضحية والجلاد، بالحاكم والمحكوم، وطبيعة العلاقة بينهما، وهي علاقة محكومة بالخوف لدى الطرفين، بل هو الرعب الذي يجعل الحاكم يتحول جزارا في ظل خطر انهيار سلطته، ورعب يبلغ حدود الموت المعنوي للضحية، صور الموت المختلفة، من الخضوع التام للسلطة القمعية والخنوع أمامها، حتى العمل معها في قمع الشعب، أو الانتهاء إلى الجنون.

علاقة تكشف مدى دموية الحاكم، والحدود التي يمكن أن يبلغها في البطش بالشعب، حتى الأطفال منه. وبدلا من أن يتحاور مع الشعب، يخترع حلولا لقمعه، كما في هذه اللقطة "استجاب الرئيس لصوت الشعب وأصدر مرسوما بإنشاء قوات للأمن المركزي مهمتها قمع الشغب، على أن يوظف كل المحتجين في ملاكها!".


سخرية مريرة


ويلعب الكاتب لعبة المفارقات والثنائيات، على نحو يجمع الطرافة والسخرية المريرة، فنرى كيف قُتل قناص على يد زميله بعد أن أوصاه أن يطلق النار على أي شخص يراه، كما نرى كيف تتعرض الطفلة إلى القتل بتهمة أنها "مندسة" لأن القاتل سمع والدتها تصفها بتلك الصفة حين اندسّت بينها وبين والدها، أو نرى أهل المقابر يتظاهرون بسبب ازدحام المقابر حيث "منذ بدء تظاهرات الأحياء، يعاني الأموات من ضيق المساكن والازدحام. فالشهداء يتوافدون بأعداد جنونية".

وكثيرا ما تحول الأحمر الصاخب إلى الأسود القاتم، أو الأحمر القاتم إذا شئتم، خصوصا حين يتعلق الأمر بالضحايا من الأطفال، ففي إحدى القصص نرى طفلة في عدد من المشاهد، وكأننا أمام شريط سينمائي، حيث طفلة تبحث عن والديها وتصرخ، وحين لم تجدهما "بدأت بالبحث عن ساقيها اللذين سرقهما الانفجار".

ومن المشاهد التي ترسم صورة الحاكم/ الجلاد، الذي هو الثيمة الأولى في المجموعة، نقرأ "جمع الشعب على عجل. البلاد تتعرض للغزو، فرح الرئيس وهتف معهم وصفق. ثم عاد إلى قصره دون أن ينبس بحرف". أو "وقف الرئيس أمام المرآة حانقا، كانت صورته المنعكسة بشعة.

حطم المرآة إلى شظايا صغيرة، ثم أعاد صنع مرآة تجمل صورته البشعة. أعجبته اللعبة. قرر تحطيم الوطن. وإعادة صنع وطن على مقاسه". ومثلها "حينما تعلم حركات المنــاورة أزاح رقعــة الشطرنج وطلب خريطة الوطن". و"يعود الجلاد في الفجر منهكا. عشرات الجثث ملقاة في الأزقـة، وعشرة نياشين جديدة تلمع على ياقتـه".


قصص إنسانية


ثمة طبعا الجانب الشخصي والفردي لبعض "أبطال" القصص في المجموعة، كأن نقرأ في "مذكرات" قصة إنسانية لعجوز "بحرص بالغ كان يخبئ مذكراته بعد كل ليلة. أصاب الفضول كلَّ من في البيت لمعرفة الأسرار المختبئة في مذكرات الجد الذي عركته الحياة حتى أقعدته. في يوم وفاته تحلّق الجميع حول الدفتر المهترئ.

فتحوا الصفحة تلو الصفحة، لكنّها كانت جميعها بيضاء لامعة. لم يجدوا إلا ياسمينة بيضاء مجففة". فرغم كل تجاربه، لم يبق منه سوى هذه الياسمينة التي تحيل إلى علاقة عاطفية على الأغلب.

ذلك كله، وسواه من القضايا التي يعالجها الكاتب، يأتي في أسلوب سردي سريع الإيقاع، بملامح التخييل حينا، والواقعية شديدة الوضوح أحيانا، ومن خلال الجملة القصيرة في أغلب الأحيانا، فتراوح القصة بين عشر كلمات وخمسين كلمة، تتخلّلها تقنيات التصوير والحوارات الداخلية (المونولوغ)، لتعطي للقصة نكهة متميزة.

لكن هذا لم يمنع ظهور بعض النصوص التي هي أقرب إلى الخاطرة الفنية التي تعبر عن فكرة وحسب، فكرة كان يمكن الاشتغال عليها، وكسوتها بلحم وشحنها بدم وقلب نابض، لكنها ظلت أفكارا، كما في هذا النص من سطر واحد "لا أحد يمر في هذا الطريق إلا كوابيسي. لا أحد هناك… لا أحد".

أو في هذا النص "لأن العتمة ترافقني، قد يكون الموت وحده، نافذتي للضوء" الذي ظل فكرة ولم يتحول إلى قصة نابضة بالحياة كما هو حال القصة التي افتتحنا بها هذه القراءة.

16