قصص خالد عودة الله ونقد خطاب الأمر الواقع في الأدب الفلسطيني

الخميس 2014/01/09
خالد عودة الله: أنسنة العدو أدبيا شرط لازم لمقاومته وتفكيكه

رام الله - “نظريّة الّلعبة”، مجموعة قصصية للباحث في العلوم الاجتماعية خالد عودة الله، صدرت عن دار “رئبيال في القدس". وفيها حاول عودة الله اقتراح مضامين جديدة في ما يتعلق بقيم البطولة ومواجهة اللحظة، وهو ما مثّل انحيازا منه واضحا للفعل الماديّ مقدّما إيّاه على نقاشات الذهن المجرّدة، فيما حافظ على شكل كنفاني في بناء القصّة. وفي هذا الحوار، سعت “العرب” إلى تبيّن مقترحات هذا المنجز القصصيّ الفنية والمضمونية.

خالد عودة الله، باحث فلسطيني في العلوم الاجتماعيّة وفلسفتها، اتجه إلى الأدب وتحديدا “القصة القصيرة”، بإصداره لمجموعته الأولى الموسومة بـ”نظرية اللعبة”، وهي تجربة تترجم ما يذهب إليه البعض من أن قدرة الأدب على قول شيء لا يستطيع الفكر قوله، في هذا السياق يقول عودةالله: “لقد سرقت الأكاديميا الاستعمارية منا لغتنا وقدرتنا على التواصل مع الناس، بدت لي الكتابة الأدبيّة أحد الحلول لهذه الإشكاليّة، هناك مقولة وتحتاج للغة، وهذه اللغة كانت القصة القصيرة”.


خيارات متواطئة


في هذه المجموعة نلاحظ أن ثمة خيطا خفيّا يسكن جميع القصص الموجودة في مجموعة “نظريّة الّلّعبة” وهي فكرة التحوّل، لدينا تحوّلات المناضل في قصة “صديد” و D.CO.” “، “رائحة الديتول” فهل يمكننا القول إنّ المجموعة هي رصد للتحوّلات التي يعيشها الفلسطيني، عن هذا السؤال يجيب عودة الله بقوله:” لم يكن موضوع التحوّل هو هاجس العمل، وإنما ما كان يشغله أساسا هو مسألة “الاختيار”، إن التحوّل دائما ما يتمّ ربطه بالظروف الزمانيّة والسياسيّة والتيه العام، ولكن في ما يتعلق بالاختيار فإنه يبقى قرارا فرديا، ما هو خياري وموقفي في لحظة تاريخيّة معيّنة هو قرار شخصيّ بامتياز، والمصيبة هو أننا تمادينا في خياراتنا المتواطئة بما يتجاوز بدرجات ما نعقلن به انكساراتنا وما يطلبه منا المُستعمِر”.

والمجموعة القصصية “نظرية اللعبة”، هي محاولة لإعادة الاعتبار لمقولة البطولة، بعد انشغال الأدب الفلسطيني حديثا بالروايات الصغرى والاحتفاء بالبطولة العاديّة أو اللابطولة بصيغة أدق، عن هذا الرأي، يقول عودة الله: “البطولة يتمّ خيانتها، في كل لحظة تنشأ فرصة لكي تعاش البطولة إلى مداها وهذا قرار شخصي، يحدث أو لا يحدث، يستجاب للحظة البطولة أو يتمّ خيانتها، هذا يردّ مسألة البطولة لبعد أكثر كثافة وجديّة يتعلق بالبعد الوجوديّ للإنسان، إنّ جزءا من الإشكاليّة الأساسيّة والذي تقترح المجموعة حلا له، هو الإزاحة التي تمّت لمفهوم الثورة والتمرّد من كونها مسألة وجوديّة مرتبطة بالفرد وموقعه في هذا الوجود، وسحبها لبلاغات سياسيّة مفرّغة المضمون، ولذلك يمكننا القول إنّ نقصان النسبة الضروريّة من البطولة هو ما يجعل عملية التحوّل ممكنة بسلاسة، بل تصبح حتميّة الحدوث، لقد عملت المشاريع السياسيّة على الاستفادة من البطل وتحويلها لنموذج لكي يخدم استمرارية شرعيّتها، وفرضها للهيمنة، ولكني أتحدث هنا عن مستوى آخر للبطولة، وهو المرتبط بالوجود الإنسانيّ والقدرة على التمرّد”.

ويمكنني القول إن النزوع نحو البطولات الجزئيّة هو ليس تعبيرا عن خيار أدبيّ حرّ بقدر ما هو انعكاس للانكسار، ولا علاقة للذائقة العامّة بكل هذا، جزء منه نزوع للأديب نحو اللّحاق بـ”التقليعات” الأدبيّة وهو بذلك لا يدخل في حوار مع النّاس، هو يدخل في حوار مع النخبة الثقافيّة فقط، ولننظر حولنا مازالت البطولة تحدث ولكنّ الأدب يغضّ الطرف عنها، يخونها بلغة أخرى.

جماليات الموقف


يبدو أن العمل “نظرية اللعبة” منحاز للنظريّة الماركسية أقصد على وجه الدقة نظرية لوكاش حول وظيفة العمل الأدبي والدور الذي يلعبه داخل المجتمع، وهي مهمة أوكلت للأدب في السياق الفلسطيني في بداياته، وواجهت انتقادات -حديثا- كون ما هو سياسيّ طغى على ما هو جماليّ، في هذا الصدد يرى عودةالله أنه لا علاقة للعمل بالتزام أي نظريّة أدبية ما، وهذا يعود لاتساق الكاتب ورؤيته في الحياة. كما يعتقد أنه لا معنى للأدب بدون دوره الاجتماعي النبيل.

يقول عودةالله: “إنّ فصل ما هو جماليّ عمّا هو جماعيّ يعتبر قرارا إشكاليّا وبحاجة لفحص، لقد جرى اعادة النظر للأدب بوصفه شكلا واعتبار الجماليّة فيه هي جماليّة الشّكل، ولكنّ المضمون أيضا يحمل جماليّة ما، انظر مثلا لجماليّة الموقف وهي جماليّة مكتفية بذاتها، يمكنك في لحظة انفعال أولى أن تلمس كميّة الجماليّة الموجودة بالتقاء الإنسان أمام لحظة خَطِرَة مقدما البطولة على الفرار. كما أنه يمكننا النظر للجمال بوصفه إعادة لفتح الأفق، وتوسيعا لمجالات الرؤية، هذه الإمكانات الأخرى للأفق والتاريخ هي في صلبها جماليّة”.

لكن هذا الأمر حسب اعتقاد كثير من النقاد قد يوقع الأدب في المباشرة، وهو ما يحاول الفرار منه ليمايز نفسه على الأقل عن حقول الخطابة والوعظ، والحقيقة أن سمة المباشرة كانت هي الطاغية في مجموعة “نظرية اللعبة”، وهو ما أكده عودةالله، يقول: “المباشرة كانت في مجموعتي القصصيّة مقصودة لذاتها، وهذا متسق مع المشروع نفسه، الذي ينظر لواحدة من مهمات الأدب وهي التربية، سواء صرح الأديب أم لم يصرح، هو يقوم ببث قيم تربوية من خلال عمله، السؤال هنا فقط عن الطريقة”. ويضيف عودةالله قائلا: "لقد كان هدف المباشرة هو الوصول لتأثير أكبر وأنا أعبر عن ذلك بكل شفافية وبدون مواربة وتمويه، حيث أنّ مقولة النص المكتوب مقولة غير حقيقة بحكم أن النص مشدود دائما إلى أفق تأويليّ يخضع لموازين القوى الاجتماعيّة".


لست كنفاني


في قصة “نظرية اللعبة” وهي القصة التي حملت المجموعة اسمها، نجد أنفسنا أمام شخصية أعادت النظر في كل أسئلة الهزيمة وقررت الفناء الفردي كخيار وحيد وحقيقي في ظل هذه المواجهة المركبة، فبدت لنا القصة وكأنها أمام اقتراح يفكك إجابات الهزيمة التي ردتها للثقافيّ وتقترح إعلاء الاستشهاد كقيمة بديلة، عن هذه المسألة يقول خالد عودةالله: “لقد حملت القصة إيقاعا سريعا لينسجم مع الفكرة التي تحاول مقاربتها، تنتقد ردّ تفسير الأشياء للوعي، ولذلك فإن ما يفنى هو الوعي وليس الذات، وتبرز الممارسة الماديّة الفعلية كموقع حقيقيّ لإنتاج الحقيقة، وبذلك تبدو الحقيقة مرتبطة بالممارسة، والمغامرة وفق ذلك شرط أساسيّ، وهي ليست مغامرة ذهنيّة فقط بل جسدية أيضا”.

في قصة “عائد إلى يافا”، هناك من يذهب إلى أنها تقيم تعارضا مع “عائد إلى حيفا” لغسان كنفاني، حيث العودة كانت زيارة خاطفة لتجري حوارا حول الهزيمة والهوية، فيما العودة التي يقترحها عودةالله عودة خلّاقة مفتوحة على الفعل المقاوم، هذه المقارنة البسيطة بين العملين علق عليها خالد عودةالله بقوله: “روحيّة القصة لا تطمح إلى إقامة تعارض مع غسّان كنفاني، هي تحاول أكثر كشف الخديعة الثاوية في كيفية تصوير العودة واستدخالها قسم ثقافة الأمر الواقع والانكسار، وحصرها على المستوى البلاغيّ والخطابيّ المبثوث بالاحتفالات والمهرجانات، وهذا وجه آخر لنفي العودة ذاتها.

القصة تحاول نقض أيديولوجيا الأمر الواقع والانسداد من خلال حقيقة “المهاجر الأفريقي” التي تشق دفيئتنا البلاغية نحو التجريب وخوض المغامرة نحو العودة، بكل بساطة هشاشة الكيان الصهيوني لا يمكن الوعي بها إلا في لحظة التماس معها… وهناك إمكانيّات لتحقيق العودة ماديّا لم تجرب بسبب أيديولوجيا وجماليات الهزيمة في الثقافة الفلسطينية التي يمكن اعتبارها الخط الدفاعي الأول للمشروع الاستعماري الصهيوني”. هذا، حقيقة، ما يقودنا إلى قصة “خمسة سنتمرات مربعة من التيتنيوم” حيث الجندي الذي يحمل داخله أمراضه ومخاوفه التي فجّرتها صرخة عجوز على الحاجز وكأنّ الفعل الصغير كشف عن تراكمات رثة مغلفة بالقوة، فهل نلمح هنا محاولة لأنسنة العدو؟، يجيب عودةالله عن هذا السؤال بقوله: “لقد كانت محاولة للتحرر من علم نفس الضحية المطبق على أنفاسنا، ورؤية العدو خارج ساديته التي تحيل أيضا إلى موقع الضحيّة -الإزاحة هنا نحو رؤية العدو “مفعولا به” يتلوى “في جحيم” التفاعل المتسلسل لـ”الفعل المقاوم”- إن لها تأثيرا فعّالا وهي تأثيرات لا يجري تفحصها والتعرض لنفحاتها -على الرغم من صغرها- إلّا أنّ مفعولها يؤثر على نظام بأكمله، من صرخة على الحاجز إلى الصاروخ”.

ويضيف قائلا: “لا أرى مشكلة في أنسنة العدو، وعدائيته له تتنشط وتأخذ أبعادا أكثر جذرية بأنسنته، إن أنسنته شرط لازم لمقاومته وتفكيكه، حيث تمكنني الأنسنة من معرفة نقاط ضعفه وقوته".
15