قصص ريموند كارفر الجامحة تسردها الخشبة

المخرج الفرنسي سيلفان موريس يتنقل من قصة إلى أخرى دون أن يحدث بينها قطيعة، باستخدام فواصل موسيقية وغنائية قصيرة.
الاثنين 2021/04/12
العلاقات الزوجية.. أخذ ورد بين ود وصد

"قصص قصيرة" عرض أعدّه المخرج الفرنسي سيلفان موريس لمسرح سارتروفيل شمالي باريس عن قصص للأميركي ريموند كارفر الذي برع في تصوير أحداث المعيش اليومي للبورجوازية الصغيرة في أميركا العميقة، حيث لا يبحث المرء سوى عن سعادة بسيطة.

اختار المخرج الفرنسي سيلفان موريس إعداد عمل مسرحي انطلاقا من ستّ قصص لواحد من أعلام هذا الجنس الأدبي، هو الأميركي ريموند كارفر (1938 – 1988) الذي يضعه النقاد في مقام تشيخوف وموباسّان، فقصصه لها من العمق والجدّة ما جعل بعض المسرحيين والسينمائيين يقبلون على تحويلها إلى مسرحيات أو أفلام، على غرار الفرنسي كريستيان بيتيو في مسرحية “ممارسات لا تُسمّى”، والأميركي روبرت ألتمان في فيلم “تخفيضات سراويل قصيرة”، والفرنسي غيّوم فانسان في مسرحية “أحِبّني بحنان”.

والقصص المختارة هي على التوالي: “جار العتبة”، “أنت دكتور؟”، “حدّثني عن الحبّ”، “بدين”، “تَوْق” و”حلاوة صغرى”، وتتميّز جميعها بالقصر والواقعية، وتركيزها على ثيمة “الأزواج”، صغارا أو كبارا، وهوسهم بالسعادة، في بيوت يعتبرونها آخر ملاذ، ولكن الحياة لا تمضي دائما مثل نهر طويل هادئ، بل تتخللها أحيانا بعض المآسي.

في هذه القصص القصيرة يركز كارفر بفضول وتعاطف وطرافة على تلك العلاقة الثنائية التي تربط كائنين، لأنه يعتقد أن الترابط بين زوجين ضرورة لا محيد عنها، رغم أنه يقود أحيانا إلى قطيعة، أو فراق مؤقت، أو تجاهل ووحدة مؤلمة. ويرصد شخصياته وهي تعقد يوميا اتفاقيات ومصالحات، كبيرة أو صغيرة، أو تعاين انتكاسات، دون أن يُصدر حُكمه لها أو عليها.

بعضها طريف كقصة “بدين” التي تسرد حكاية رجل شره جالس في مطعم لتناول وجبة، فلما ذهب النادل ليجيئه بالسلطة، وجده قد أكل الخبز، ولما عاد بالخبز وجده قد أكل السلطة، واكتفى في النهاية بأن قال “أعذرني، فما كلّ مرة تتاح لي فرصة التمتع بالأكل”.

المسرحية تعرض الشخصيات بمحاسنها وعيوبها، بهشاشتها وخداعها، وكذلك إمكانية شفائها ممّا تلقى من مآس

وهي قصة تذكّر بحكاية عربية طريفة نقلتها كتب الأخبار والطرائف عن عابر سبيل نزل بدير زاهد، فجاءه الزاهد بالمرق، فلما عاد بالخبز وجده قد أكل المرق، فلما جاءه بمرق آخر، كان قد التهم الخبز.. وتنتهي الحكاية بأن باح له بأنه يقصد المدينة للقاء طبيب، نظرا لضعف شهيته للأكل.

وبعضها الآخر تراجيدي مثل قصة “حلاوة صغيرة”، وتروي مفارقة بين طلبية كعكة عيد الميلاد وحادث مرور يتعرّض له الطفل الذي طُلبت لأجله الكعكة. وفي ذلك يقول كارفر “كان سعيدا ومحظوظا، يعرف ذلك. والداه لا يزالان على قيد الحياة، وأخوه وأخته استقرّت حياتهما، وأصدقاؤه في الجامعة تفرّقوا ليأخذوا مكانهم في المجتمع. حتى الآن، ظل في منعة من المأساة، من تلك القوى التي يعرف أنها موجودة، وأنها يمكن أن ترعب الإنسان، أو ترديه إذا ما وقع عليه سوء الحظ”.

يتبدّى أبطال تلك القصص، الذين يرجع عهدهم إلى الخمسينات في أميركا العميقة، في وصف مشوب ببعض الكآبة والطرافة في نفس الوقت، فلا هم فقراء ولا هم أغنياء حقّا، لا أسخياء ولا لئام، بل ينتمون إلى شريحة مجتمعية من البورجوازية الصغيرة تعيش يومها، بعيدا عن “الحلم الأميركي”، في بيوت متجاورة، يقضون أوقات فراغهم فيها، فتنشأ في العلاقات الزوجية رتابة، وأخذ وردّ بين ودّ وصدّ، أو كما قال الكاتب “لن أعيش حياتي من دونك، لن أعيشها كلّها معك”، حياة يصوّرها بواقعية ولغة بسيطة، تنفذ إلى ما هو حميم في علاقة الأسر، فيصف روابط تمتد حينا، وتنقطع حينا آخر ليعيش الفرد ذكرا أو أنثى في وحدته.

وقد استطاع المخرج أن يعالج تلك القصص معالجة مسرحية، يتنقل خلالها من قصة إلى أخرى دون أن يحدث بينها قطيعة، باستخدام فواصل موسيقية وغنائية قصيرة تساعد على المرور بسهولة من مشهد إلى آخر.

صورة

ورغم أن السينوغرافيا اقتصرت على ستار ذي ألوان متغيرة، فإن العرض يشدّ الانتباه بفضل توازن المشاهد وحسن أداء الممثلين في المزاوجة بين ما يقال أو يُعرض وبين ما ينسج تحت سطح الوعي، بين فرح ظاهر وكآبة مضمرة، تعبيرا عن الوضع الإنساني في بعض أوجهه، فقد نجح سيلفان موريس وفرقته في المحافظة على حيوية نصوص كارفر، وروحها الساخرة، وحتى كآبة بعض أبطالها. فهم يعرضون الشخصيات بمحاسنها وعيوبها، بهشاشتها وإمكانية لجوئها إلى الغشّ والخداع، وكذلك إمكانية شفائها ممّا تلقى من مآسٍ.

يصوّرونها وهي تتأرجح بين الأمل واليأس، في سيرورة الحياة التي تحياها عبر تقلباتها، المحسوبة حينا، والمفروضة حينا آخر. وقد انتهج المخرج لتحقيق ذلك ما أسماه بالتناول “التكعيبي” الذي يقوم على تعدّد وجهات النظر، مع أصداء وارتدادات باطنية.

يقول كارفر “أحبّ الوثبة المرنة السريعة للحكاية القصيرة، والإثارة التي تتولّد منذ الجملة الأولى، والشعور بالجمال الملغز الذي ينشأ عنها”. فقصصه، على واقعيتها، تحفل بالفراغات، والمسكوت عنه، أو ما يروم الكاتب أن يتركه للقارئ كي يُتمّه وفق ما يتخيّل، وهو ما سعى سيلفان موريس إلى إظهاره في هذا العرض الأول الذي خصّص للمحترفين من أهل المسرح والصحافة، ولم نتابعه كالعادة في هذا الظرف الذي ازداد تأزّما، إلاّ عبر المواقع الاجتماعية.

16