قصص سريالية ساخرة عن أوجاع الحرب السورية

يستمد مصطفى تاج الدين الموسى مكانته الأدبية عموما وككاتب ساخر خصوصاً من موهبة إبداعية استثنائية، غير أن موهبة السخرية وحدها كان يمكن أن تحيله إلى مجرد مهرج يلقي بكلام لا طائل منه، ولكن هذا الكاتب الشاب كرس قصصه لوطنه سوريا ولشعبه الذي يمرّ بآلام الحرب والمنفى والتشرد والقتل.
السبت 2016/04/30
قصص عن الحرب وآلام سوريا

من يتابع كتابات مصطفى تاج الدين الموسى لا يمكن أن يفوته ملاحظة الصلة الجدلية المباشرة بين الضحك والألم، الحزن والسخرية، مما جعل سخريته توصف بالكوميديا السوداء.

"نصف ساعة احتضار" للقاص السوري مصطفى تاج الدين الموسى هي المجموعة الرابعة بعد مجموعة "قبو رطب لثلاثة رسامين2012" و"مزهرية من مجزرة" 2014 و"الخوف في منتصف حقلٍ واسع"2015.

بنى مصطفى تاج الدين الموسى أقاصيص مجموعته، الصادرة أخيرا عن دار "روايات" في أبوظبي الإمارات، انطلاقا من وقائع الحياة العادية المعاشة الآن للسوريين وربما لغيرهم من البشر، فترتكز الكتابة لديه على البسيط والمدهش والغرائبي معا، والدهشة تتولد أساسا من هذا الالتقاء بين الواقع والخيال حتى لا تعرف الفاصل بينهما، الحقيقة الإنسانية بالنسبة إلى الكاتب توجد عند البشر البسطاء.

ففي قصة "كم هم لطفاء" يسخر الكاتب من واقعه عبر قصة لشاب يتم اعتقاله وتعذيبه عبر تعليقه من شعره، ومن ثم تصفيته، وهذا الجو الذي يبدو غاية في الغرابة هو واقع في الأصل، إذ ينقل لنا الكاتب الواقع الذي يعيشه آلاف المعتقلين بأسلوب ساخر، ممتلئ بالمرارة، مرارة العجز، والتي نتلمسها من خلال حوار الشاب في القصة مع الذبابة.

يسخر مصطفى تاج الدين الموسى من واقع الحرب من اعتقالات وتعذيب وتصفيات، كما يسخر من ممارسات الأنظمة المستبدة وطريقة تعاملها مع الكائن البشري وخوفها حتى من الأموات الذين يعارضونها. يحدثنا القاص عن الذين يعتقلون ويعذبون ويقتلون، يحدثنا عن رسائلهم التي تركوها محفورة على جدران السجن، وعن أهلهم، عن المجرمين الذين يمارسون إجرامهم بوحشية كبرى، وعن أساليب التعذيب، يحدثنا عن ما قد يصل إليه هؤلاء من بطش يمس حتى الأموات، يحدثنا عن الإيمان وصراع الإنسان مع ذاته (الحوار مع الذبابة).

تعتمد المجموعة، وبعض قصصها بصفة غالبة، على السريالية كتقنية للسرد ففي قصص الموسى يمتزج الخيال بالواقع، حوار مع الذبابة، والإنسان بالشبح، السجين الميت الذي يكلم نفسه ويلمسها، والحيّ بالميت، و المبكي بالمضحك. هكذا تلتقي المتضادات على غرابتها تخلق صورة متقنة غارقة في الدلالات ونافذة في نقدها لما أراد لها نقده.

لا حدود بين العوالم في قصص الموسى، الجحيم الذي لطالما تم ترهيبنا منه كنتيجة لأفعالنا الدنيوية في عوالم الآخرة "ينزل" الأرض ويعيشه السوري بشكل مكثف ومرعب منذ خمس سنوات، هكذا يتسلق اللاواقع الواقع ويعشش داخل تفاصيل السوري، تفاصيل نلمسها مثلا في قصة "مشهد سينمائي من الحرب" حيث يرسم لنا قصة مجموعة من الأصدقاء قضت عليهم قذيفة وهم خارجون من الخمارة، هكذا يتحول الجسد البشري لمجموعة من القطع القابلة للحمل.

جرب الكاتب أنماطا سردية متنوعة، بحيث تنوعت بين سرد خطي كلاسيكي ومعاصر مكثف ومتداخل، كما يلاحظ القارئ للمجموعة نية الكاتب إشراك القارئ ليدخل عالمه التخيلي الافتراضي من أجل أن ينسج خيوط الحكاية ومشروعها السردي بناء ودلالة، كما هو شأن قصة "كم هم لطفاء".

كما استخدم الكاتب أبنية سردية متعددة الأشكال، كالبناء الجدلي في قصة "نص ساعة احتضار"، والبناء النفسي في "عشر صور للحب" و"في أثناء الأخبار العاجلة"، والبناء المفتوح في قصة "مشهد سينمائي من الحرب"، هذا التعدد في الأبنية السردية وتنويع معمار القص دليل على مدى تمكن الكاتب من أدواته القصصية وتقنياته الحكائية وانفتاحه على الإبداع القصصي والروائي العربي والعالمي.

اعتمد مصطفى تاج الدين على الوصف بصورة مكثفة سعيا إلى تجسيد عوالم الرعب والموت عبر تشغيل أفعال نفسية يعيش من خلالها القارئ معاناة الشخوص بالقصص. وتنبني الرؤية السردية على المنظور الداخلي أو الرؤية المصاحبة بحيث تتساوى الشخصية مع السارد في المعرفة و تتبع الأحداث، غير أنه لم يكفي بذلك إذ حاول إثراء مجموعته القصصية بتنويع الضمائر منتقلا من ضمير المتكلم إلى ضمير الغائب والمخاطب، في حين يبقى زمن القص مقترنا بما يعيشه وعاشه السوري.

يكتب مصطفى تاج الدين الموسى قصصا حداثية تدين الموت على تعدد أشكاله حيث تنطلق من فلسفة إنسانية تقوم على الطرح السريالي والعبثية الوجودية، كما تتميز الكتابة القصصية لديه بروعة التصوير وحسن التشخيص والبساطة في التعبير مقابل مجازية الصور الموحية والتراكيب التي تأتي زاخرة بالاستعارات والتشابيه واللغة الميتاسردية والخطاب السردي.

17