قصص قصيرة إسبانية عوالمها مفاجئة ومدهشة وغريبة

يحتاج الأدب إلى الخيال، بل الخيال جوهر الأدب، حتى الواقعي منه، حيث يشتغل الروائيون والقصاصون مثلا على نحت عوالم متخيلة حتى في كتابتهم عن الواقع والتاريخ، إذ الأدب ليس محاكاة كلية للواقع، بل هو أن تبدع من أشد الأشياء يومية وعادية عوالم مخصوصة ومثيرة بأبعاد فنية.
الأربعاء 2017/07/19
حكايات إسبانية غارقة في الفانتازيا (لوحة للفنان بيكاسو)

تنتمي المختارات القصصية التي يضمها كتاب “قصص قصيرة” للروائي والقاص الإسباني خوسيه ماريا ميرينو إلى ثلاث مجموعات قصصية؛ الأولى “قصص المملكة السرية” الصادرة عام 1982 والثانية “المسافر المفقود” الصادرة عام 1990، والثالثة “قصص حي الريفوخيو” الصادرة عام 1994، وترتكز القصص على الفانتازيا كعنصر أساسي في كتابات ميرينو.

قدمت الناقدة والمترجمة عبير محمد عبدالحافظ للمختارات الصادرة عن مشروع كلمة بأبوظبي بدراسة كاشفة تحليلية عن ميرينو وكتاباته راصدة مراحل مشروعه الإبداعي الشعري والروائي والقصصي، فبدأت بجيله جيل 1975 الذي يسمى “جيل 1975” أو “جيل الديمقراطية” الذي تزامن نتاجه الأدبي مع الحقبة الأخيرة من دكتاتورية الجنرال فرانثيسكو فرانكو.

الواقع والفانتازيا

توقفت عبدالحافظ تحليليا عند أعمال خوسيه ماريا ميرينو الروائية ورأت أنه أحد أهم الروائيين في القرن العشرين، لكن على الجانب الآخر كرس اهتماماً خاصاً للقصة القصيرة، وأجاد فنها وبرع فيه كأحسن ما يكون، وضاهى في كتابتها أهم الكتاب في الأدب الناطق بالإسبانية وعلى رأسهم كلارين، وبيكر، وكونكييرو، وكيروجا، وبورخيس، وكورتاثار، الذين ورث عنهم الملكة الفريدة في تركيز نص القصة في أقل عدد ممكن من الصفحات، السمة التي يعتبرها ميرينو من أهم خصائص القصة القصيرة.

وأكدت عبدالحافظ أن قصص ميرينو تقدم مفهوماً موحداً لمشروعه وطريقة تشكيله، والإصرار على كتابتها، إذ تتفتح القصة كنبتة من خلال الكلمات، مثلما يعترف ميرينو نفسه. هذه القصص تتقاسم مع الروايات الحيز الفانتازي والأسطوري ذاته لمفهوم ما وراء الأدب، وذلك بهدف عرض الحياة اليومية من خلال إعادة تمثيلها في قالب خيالي. إنه الواقع اليومي، الذي يشتمل في طياته على مناطق سرية أو غير قابلة للتفسير، أكثر بكثير مما قد تعكسه المظاهر. بشكل آخر يصبح القارئ قادراً على الولوج إلى فضاءات تختلط فيها جوانب المنطق بالكتابة الفانتازية.

وحول مجموعته القصصية الأولى “قصص العالم السري” (1982) قالت المترجمة “يستحضر ميرينو أماكن طفولته ومراهقته في مدينة ليون، بعبارة أخرى يقتحم الحياة اليومية لمن حوله من خلال قالب فانتازي، يعطي تأثيراً خيالياً ومفاجئاً لكل ما كان يبدو طبيعياً ومعتاداً”.

ورأت أن الكاتب عالج الحرب الأهلية وما بعدها في عدة قصص، وخاصة في قصتي “الهارب من الجندية”، وهي حكاية رائعة تتعمق في مشاعر امرأة هرب زوجها من الجبهة أثناء الحرب، بينما قصة “المنزل ذو المدخلين” تحول الواقع من خلال عينين مندهشتين ورؤيا عدد من الصغار خلال فترة ما بعد الحرب في مدينة ليون.

خوسيه ماريا ميرينو ينطلق مما هو واقعي ويومي معتاد في كتاباته ليخرج منه إلى ما هو مفاجئ يغير منطق الأحداث

وتستعيد بعض القصص الأخرى عنصر الذاكرة، التي تتسم بقدر غير قليل من الفانتازيا، كما تشمل بعض القصص أحداثاً حقيقية مثل قصة “هؤلاء الموجودون هناك في الأعلى”، وتظهر في قصص أخرى بعض الشخصيات الشهيرة في مدينة ليون، مثل خينارين، وهو سكير شهير كان معروفاً عام 1929 ظهر في قصة “خينارين والسيد المحافظ”. وشخصية جوندو، سكير آخر لا تُعرف عنه تفاصيل كثيرة، ويظهر في قصة “الليلة الأكثر طولا”. أما قصة “الرفيق” أو “المتحف” فتركز على حياة الشخصية في البحث عن الفضاء المفقود.

وأشارت عبدالحافظ إلى إن عناصر مثل “ما وراء الأدب” والتطور الخيالي والفانتازي مثلما يحدث في بعض روايات ميرينو هي الركيزة المركزية في القصص التي يضمها كتاب “المسافر المفقود” (1990). مع ذلك، فإنه لا يلجأ إلى هذه التقنية أو أي تقنيات أدبية مجانية، بل إلى تحولات ضرورية للترتيب الحقيقي، تماماً كما يفعل كبار كتاب الرواية الجيليقية والأميركية اللاتينية الناطقة بالإسبانية، ينطلق ميرينو مما هو واقعي ويومي معتاد في جميع كتاباته ليخرج منه إلى ما هو مفاجئ وقادر على تغيير منطق الأحداث المتعارف عليها، بعد ذلك تنفصل الأشياء عن واقعها الحقيقي الذي بدت عليه في بداية الأمر، لتتحول إلى كيان يبدو مشابهاً أو يمكن أن يكون.

قصص ميرينو فضاءات يختلط فيها المنطق بالفانتازيا

مستوى آخر

وعن عمله “قصص حي الريفوخيو” (1994) رأت عبدالحافظ أن ميرينو يصل إلى أقصي درجات النضج كراو للأحداث، فيخلق مجموعة من العوالم الخيالية لا مثيل لها، وتستكمل هذه المجموعة التقنية والخطوط الفنية العريضة التي يتبعها ميرينو، مع التركيز على نظرته الخاصة ورؤيته للأشياء والواقع من حوله، وعملية نقل الأشياء من الحياة إلى مستوى آخر من خلال الكتابة، إذ يتحول ما هو يومي إلى إبداع خيالي، وينقلب كل ما هو معقول ومنطقي إلى مجهول ومدهش يصعب تجنبه في الوقت نفسه.

في هذه المجموعة أيضا يصل ميرينو إلي قمة نضجه كروائي، ويبدع كأفضل ما يكون تلك العوالم المتخيلة التي لا يوجد فيها أي شيء مخطط له من قبل، ويبدو الكتاب في مجمله مفهوماً بشكل واضح، ويلخص أو يوسع رؤية أعماله السابقة، لأنه يظل وفياً لرؤيته للواقع وتمسكه بالعملية الإبداعية في مناطقها الغامضة، إلى أن تصل إلى أبعد حدٍ ممكن، أي العلاقة بين ما هو معيش وما هو مكتوب، ويتحول اليومي إلى متخيل ومادة للخيال، له مظهر واقعي أكثر من الواقع المحسوس.

ونبهت عبدالحافظ إلى أن ميرينو ضمّن كتابه “50 قصة وأسطورة واحدة” (1997) بعض القصص التي لم ينشرها في كتبه السابقة، وهي ستة نصوص تساعد على اكتمال وجهة النظر الأدبية للكاتب من خلال تسليط الضوء على موضوعاته المفضلة. وقالت “هكذا نجد قصة ‘عندما يستيقظ النزيل‘، ترتبط بقصص أخرى له تتعلق بالفساد السياسي، ويكتسب السرد شكل التحقيق القانوني، ويطرح حدود قضية أن تكون أو لا تكون -بقاء الأشياء واختفائها- من خلال تحولات البطل واختفائه في بعض الأحيان، الذي يتحول إلى مادة فاسدة ورمز للفساد السياسي”.

14