قصص لا تنتهي بالغياب

الأربعاء 2014/08/20

قد ألدُ أجنحة.. لكنني لن استطيعَ اقترافَ التنورسِ مثلما زعمَتْ قارئة ُ الرمل.. ربما أنثرُ ريشي باُنوثةٍ تمنـّاها ساعة ألّـفَتـْنا غيمة ٌ تمنـّعتْ عن الهطول.. الا أن كفهُ ستموتُ قبلَ أن يمدّها ليقتطفَ ريشة ويقبّلها بامتنان.. فيُعمّدُ قديساً!

ليسَ هو.. لكنني أنا.. ولا تخفي النوارسُ قيدَ أضلعها سوى أرقامٍ اندثرَتْ وحلّ محلها هاتفٌ بارد..

ها أنكَ توسّدتَ أحلامك الأولى ولم تنمْ طويلاً.. لتصحوَ على بكاءِ ولديكَ.. وعلى قرقعة جوفكَ الممتلئ بالبقايا.. فتعوذ بي من فراغكَ.. وتعوذ بربّ النوم من شيطانِ الأمس.. ولا تنام.. يستبيحكَ الأرق.. فتقوم لتسطّر فوق حائط قلبك كل الشواهد والحروف والطيور المهاجرة.. وتختنقُ حسرةً لكل ما كان وما لن يكون له من آتٍ شبيه..

وتدّعي عشقي!.. فتضحكُ منكَ أقدامي ملءَ ركضها اغتباطاً وشماتة.. قد أمتعضُ من تلكّؤ دقاتِ قلبي.. قد أرمشُ حنيناً.. قد أنتفضُ لرعشةِ أصابعك.. قد أرتبك قليلاً وأنا اتعمّدُ النظر في عينيك الشغوفتين لاُثبتَ لنفسي جرأة التناسي.. قد تذكـّرني بتفصيلٍ صغير يجعل ابتسامة قلبي أعلى درجة.. قد…. لكنني أراكَ مقطوعاً.. وليسَ على طريقةِ: “انقطعَ.. ولكن ثمةَ خيط”!.. وبعيداً مثل جزيرة غارقة.. وفارغاً مثل صنبورِ ماءٍ أيام الحرب.. إذ أنا حرة ٌمثل فقاعة..

قد أنفجرُ في ظلمتي.. وأرفعُ سماعة انتظاري صوب السماء فلا يردّ من أحد.. “توووووووووت”!.. رحلوا.. رحلوا.. ر.. ح.. ل.. و.. ا..

تقاسموا البلاد وتشتتوا في المنافي.. تفتتوا في الأصقاع.. باعدتـْهم اللغات وتبدّلت سحناتهم وصار أبناؤهم مهجّنين: يرطنون ولا ينتمون.. كلهم رحلوا.. في الأرض.. أو للسماء.. ومن لم يرحلْ تعلّق ما بينهما.. وصار أبعد حتى منك!

وأراني برغم صمتِ الهاتف لا أتوارى عن توظيف سلة النسيان لأجمعَ وجوههم الجميلة المبطنة بالذكريات.. واُمزق العبارات حارقة رئتيّ بتبغ انشداهي.. أتذكرهم فرداً فرداً وقصة قصة.. قصصاً لم تكن لتنتهي بالغياب.. مثلما انتهينا..

هل تذكر يوم قرأت لي البيان الختامي لقصتنا؟.. كانت لحظة تفصلك عني وتقطع لك عن قلبي تذكرة اللاعودة.. لا اُنكر أنني كرهتك لبعض الوقت.. لكنني عدتُ إليّ ملأى بي وبك وبكل الراحلين.. وبعد أن كنتَ أنت جزءاً مني.. أصبحت جزءاً من تاريخي.. كانت للوقت سطوته التي صنعت نسياني حبة حبة مثل دواء ناجع.. وبدأ درب الابتعاد يتضح ويوغل في اكتساح المسافة بفعل التقادم..

وكسبتُ الجولة.. وجدت نفسي أكسبها للمرة المليون بعد الأمس.. برغم ادعاء أنسجتي بالخسارةِ.. وبرغم إحساسِ عالمي بالدوار..

بوتقتي أكثر اتساعاً من مصباح علاء الدين.. وأنا لستُ بماردٍ إلا في عيونِ مَن خذلوني.. وحين رحلتُ صرتُ في عيونهم سيدة الأساطير.. وأنا لستُ أكثر من حصاةٍ رضيعة.. جيبي ممنوع ٌ من الصرف.. وقلبي ممنوع ٌ عن الصمت.. ولا يكفّ ُ قلمي عن أداءِ الصلوات..

ستمرّ ُ بي ذاتَ اُصبوحةٍ.. سنلتقي لنفقأ عين تغطرسنا.. وعبودية أجحتنا للوقت.. سنستعيد تفاصيل ما حلّ وما سيكون.. أطراف أصابع الكلام ستقول كل شيء.. ستحدثنا عن كل القصص وتأخذنا بلولبة لا بداية ولا متن ولا نهاية لها.. وسيبقى دائما ثمة جديد جدير بأن يعاش.. وآخرون جديرون بالاكتشاف.. وحب يجلس في غرفة انتظارنا متلهفاً ليبتدئ معنا فرحاً بعمر قادم..

21