قصص لمصري ومسرحية لسوري.. إعادة اعتبار لفنون تندثر

الأحد 2014/01/12
عالم حلمي (من اعمال شاغل 1932)

لم أشهد زمنا صنعت فيه قصص "أرخص ليالي" من يوسف إدريس نجما. كان عام 1954 حين حاول جيل جديد إبداع قصة قصيرة خالية من محسنات الترجمات: “أوه.. يا للسماء! ماذا دهاك؟ اللعنة”. لم يتخيل إدريس، أو أي من أبناء ذلك الجيل، أن تصبح القصة القصيرة فنا مهددا بالانقراض، مجرّد ذكرى يدرسها المتخصصون في تاريخ الأدب، بعد أن لقي فن المقال الأدبي ذلك المصير. في تلك الفترة كان نص مسرحي واحد يعدّ كاتبه، في عدّة مراحل.. هو “نجم” حين ينشر النص، وهو “نجم” بعد العرض على المسرح، وفي كل مرحلة كان هناك نقاد مخلصون.

اختفى النص المسرحي، وإذا نشر فلا يشعر به أحد، وما نشاهده على المسرح نتاج مخطوطات تذهب من يد المؤلف إلى المخرج والممثلين، نادرا ما تطبع، ليس لأن الكاتب يتبرأ أو يخجل من النص، وإنما لأن قارئ المسرح غير موجود، وربما يأتي يوم يتساوى فيه النص المسرحي بسيناريو الفيلم الذي لا يبالي به مُشاهد السينما. لوقت قريب خشيت هذه النهاية، لولا نشر مسرحيتي “زفرة السوري الأخيرة” و”صهيل الحصان العالي”، ومن الطبيعي أن يكون الكاتب سوريّا، وهو الفارس الذهبي، وهذا اسمه لا صفته، ويتزامن صدور المسرحية مع المجموعة القصصية “رأس الديك الأحمر” للكاتب المصري أحمد الخميسي، وكلا العملين أصدرته “الكتب خان” في القاهرة.

“زفرة السوري الأخيرة”، المهداة إلى ميشيل عفلق، ترصد منحنى الثورات العسكرية في العالم العربي، ومصائر الذين كانوا ثوارا أو ادّعوا ذلك، ثم أصيبوا بالسعار حين لبثوا في السلطة سنين عددا، فجعلوا بلادهم سجنا كبيرا، وبدعوى الحفاظ على الثورة احترفوا القمع والقتل. إلا أن الجيل الجديد، الذي لم يشهد وعود ثورة هؤلاء الجلادين، يتمكن من صنع ثورته، وانتزاع حريته، بعد أن يكتشف الزيف، ويتمرد على الوصاية، ويعي أن الدكتاتورية أكثر خطرا من الاحتلال الذي هو أحد نتائجها. فالجنرال العراقي المهزوم “سعدون البغدادي”، الذي يرى الشعب مجرد جرذان وخونة وعملاء وجواسيس، وفي أحسن الأحوال قطيعا لا يستحق إلا الإهانة، يهرب إلى سوريا عقب الاحتلال الأميركي لبلاده (2003)، ويلجأ إلى أسرة صديق راحل، وكانت الدنيا التي يعرفها قد تغيرت، إذ يفاجأ بجيل آخر يمثله ابنا صديقه، “كمال” و”ريما”.

يؤخذ كمال، في بداية الأمر، ببطولات الجنرال الوهمية، أما ريما -التي ترفض الاحتلال بالطبع- فهي أكثر إيمانا بكرامة الشعب: “لا يوجد شيء في هذا العالم يبرر لأحد أن يدوس أحدا من أجل قضية”، فمن يفقد كرامته، أو يعذبه الجلادون حتى يفقد إحساسه بإنسانيته، لا يصلح للدفاع عن قضية ولو كانت عادلة. هي لا تبدي ارتياحا للضيف الذي يمارس عقده التاريخية في المنزل، متلصصا ومحاولا فرض آرائه القمعية على أفراد الأسرة، وخصوصا الفتاة التي لا تأبه لقوله: “الرئيس والقادة يقودون الحرب المقدسة ضد الصليبيين الجدد”، ويزعم أن مجلس قيادة الثورة، بقيادة صدام حسين، كان يهدف منذ الوصول إلى السلطة، إلى رفع الظلم عن الناس.

وفي حين يرى كمال في الجنرال ضحية، لا تتردد ريما في التنبيه إلى خطورة إيواء مجرم “سفاح؛ طريد العدالة”، وتتحداه أن يعود لينضمّ إلى مقاومة الاحتلال، ويهرب الجنرال من المواجهة العاقلة إلى ذكرياته عن إسقاط “النظام السابق الفاسد”، قبل عشرات السنين، وكيف أن صدام “ارتأى بأن القفزة الديمقراطية لم تنضج بعد”، ثم ينهار حين يطلعه كمال على C D يوثق، يسجل ساديته، ومن الطبيعي أن ينكر جرائمه، ثم يسعى إلى تبريرها: “الناس قطيع، وعلى الراعي إرشادهم”، وفي لحظة الحقيقة يعترف بعجزه عن النظر إلى أعين ضحايا، يتلذذ بتعذيبهم، ويرفض معرفة أسمائهم، حتى لا تمنحهم أسماؤهم دلالة على أنهم بشر.

أما نص “صهيل الحصان العالي”، المهدى إلى شهيدي الثورة السورية المخرجين الناشطين باسل شحادة وأحمد الأصم (قتلا في مايو 2012 في قصف مدينة حمص)، فهو مونودراما ترصد السياق التاريخي والنفسي الذي يجعل المواطن العادي جلادا، ولكن المشهد الأخير الذي تسمع فيه شعارات الثورة من الخارج، تحترق الستارة وتهبط على المسرح، فقد أضعف الدراما.


الخميسي يكتب

يبقى أحمد الخميسي الأكثر إخلاصا لما يحبّ، لفن القصة، وقد أغناه هذا الاستغناء عن كتابة رواية، وهو أمر يغري كثيرين، حتى الشعراء الذين يتبعهم الغاوون. الرجل مسلح بالفن والأيديولوجيا، فقد ترجم مجموعات قصصية وكتبا نقدية من الأدب الروسي.. “موسكو تعرف الدموع″ 1991، و”حرب الشيشان.. رحلة إلى الجبال” 1996، و”نساء الكرملين” 1999، وله أربع مجموعات قصصية، منها “كناري” الفائزة بجائزة ساويرس لأفضل مجموعة قصصية فرع كبار الأدباء عام 2011، وفي الآونة الأخيرة صدرت مجموعته الجديدة “رأس الديك الأحمر”، وفيها يبدو كأنه يمشي على حدّ سيف، فلا يستدرجه أبطال قصصه إلى براءة الرومانسية، ولا تغيب عنهم خبرة الحياة، ويتمكن الصائغ الماهر من نسج عواطف إنسانية في لغة عذبة رغم واقعية الأحداث.

ففي قصة “ومض”، التي تزيد على 20 صفحة وهي أطول قصص المجموعة، يتعرض أستاذ الفيزياء بالجامعة لأزمة بعد فقد “رحاب”، وهي من أعمق الشخصيات التي يمكن أن تظل في ذاكرة قارئ قصة، تنتهي القراءة ولا تغادرك “رحاب”، وطيفها يطاردك، وتشفق على البطل الذي يحيط به “ومض” رحاب، ويشغله عن أيّ شيء وأيّ أحد، ويتساءل: “لماذا لا يؤمن الإنسان كما آمنت رحاب بأن أرواح الغائبين تنصت إليه حين يخاطبها؟ وبأن المدى الذي تبلغه قدرة الروح على البقاء والتحوّل لانهائيّ؟ أتكون الومضة روحا.. أهي رحاب تذكرني.. تعلم أن صوتها سيصلني؟”، ثم يتجسد الطيف، فيناجيها: “لا بدّ أن هناك وسيلة تجتاز بها الروح المسافات المجهولة إلى الروح”. أقترح على من يريد قراءة نص “ومض” أن يتوضأ، فهي تحتاج إلى يد حانية تحمل الكتاب برفق، وعين أكثر حنوا، وقلب يعرف طقوس صلوات الحبّ، هذه شروط الدخول إلى هذا العالم الذي يفيض نورا ورحمة.

وعلى عكس “ومض” أقصر نصوص التراجيديا في الأدب تقريبا، تلخص قصة “قائمة للنسيان”، في ست صفحات، تناقضات الشعور الإنساني وشفافيته، وكمال النقص البشري.

شاب أقسم أن يقطع علاقته بحبيبته إن لم تتصل به لتصالحه قبل أن يصل إلى بيته، ويفاجأ باقتراب البيت فيتلكأ، لكي يمنحها فرصة، ثم يدخل ويجد زميله، فيقسم أمامه أن ينساها تماما، ولكي ينفذ خطة النسيان يقترح كتابة قائمة بمواقف وذكريات جمعتهما، لكي يستبعدها من ذاكرته. يسجل بخفة ظل، وهو يحكي لزميله كيف ذهبا إلى السينما، ثم قبّلها “مشهد فظيع لا ينسى؛ تسجيله ضروري لكي أنساه”، وأنها أعطته فرشاة أسنان وكان يشعر بها كلما غسل أسنانه: “أتعرف ما الذي فاتني تسجيله؟

نظرة عينيها بالذات حين كانت تنظر إليّ بحنان؛ سجلتها”.

إلا أن اتصالا مفاجئا منها ينسف قائمة النسيان، فينطلق الشاب طاويا كل درجات السلم بقفزة واحدة. قصص الخميسي، تعيد إلى قارئها إحساسه بإنسانية الإنسان، وتعلي قيما أولها الحرية، والأهم أنها تعيد الاعتبار إلى فن القصة القصيرة.

13