قصف قوارب الهجرة غير الشرعية: توجه أوروبي وتوجس روسي

الثلاثاء 2015/05/12
الخيارات أمام الحالمين بأوروبا لم تعد متاحة سوى في الهجرة عبر "قوارب الموت"

طرابلس - تمكنت أوروبا منذ تحقيق طفرتها الصناعية الثانية بعد الحرب العالمية الثانية من إعادة بناء الاقتصاد الأوروبي بشكل كانت معه طلبات هجرة اليد العاملة إليها كثيفة جدا.

وبقيت حاجة الأوروبيين إلى المهاجرين في تواصل إلى حدود استفحال الأزمة الاقتصادية في نهاية العشرية الأولى من الألفية الثالثة. وبتوقف الطلب على اليد العاملة الأجنبية، لم تعد الخيارات أمام أعداد كبيرة منهم متاحة سوى في الهجرة عبر “قوارب الموت” للوصول إلى الضفة الشمالية (إيطاليا أساسا) ومنها إلى دول أوروبية عديدة.

وأمام التدفق المتزايد للمهاجرين وتكرار حوادث غرق الكثيرين في مياه المتوسط، اقترح الاتحاد الأوروبي وقف هذا التدفق عبر مراقبة السواحل التي تنطلق منها الرحلات البحرية غير الشرعية، وأثناء المراقبة يمكن أن تستعمل القوة العسكرية في تدمير القوارب التي تقل المهاجرين.

ويواجه مقترح الاتحاد الأوروبي في جواز استخدام القوة لوقف القوارب من ليبيا موجة من الانتقادات الروسية، وذلك على لسان ممثلها في الأمم المتحدة فيتالي تشوركين.

أما المسؤولة الأوروبية فيدريكا موغيريني فتؤكد أن مسودة مشروع القرار الذي تضعه الدبلوماسية الأوروبية للتصويت في مجلس الأمن يعد خيارا أكيدا وحلا منطقيا للمعضلة التي تعيشها دول الاتحاد الأوروبي جراء الهجرة غير الشرعية إلى بلدانها.

قوات الاتحاد الأوروبي لها سلطة ضرب قوارب المهربين

فيدريكا موغيريني: سياسية ودبلوماسية، انتمت للشبيبة الشيوعية، ثم إلى الحزب الديمقراطي الإيطالي، لتعين سنة 2014 وزيرة للخارجية مع حكومة رينزي.

يبحث مجلس الأمن الدولي إشكال الهجرة غير الشرعية إلى أوروبا، في الوقت الذي تعلن فيه السلطات الإيطالية إنقاذ المئات من البحر المتوسط خلال الأيام الماضية.

وقالت منسقة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي فيديريكا موغيريني إنها حضرت اجتماعا في نيويورك لإطلاع مجلس الأمن على الأزمة. ويجري الاتحاد الأوروبي مشاورات مع الأمم المتحدة بشأن وضع خطة للقيام بعمل عسكري ضد مهربي المهاجرين على الساحل الليبي.

وقالت رئيسة الدبلوماسية الأوروبية مورغيني إن الدول الأوروبية الأعضاء في المجلس تعمل على صياغة مشروع قرار يجيز اعتراض مهربي البشر في البحر المتوسط وفي المياه الإقليمية الليبية وعلى الساحل الليبي. وبموجب القرار، ستكون لقوات الاتحاد الأوروبي سلطة مصادرة السفن التي يشتبه في أنها تستخدم للاتجار في البشر، وربما إمكانية الرسو على الشواطئ الليبية لتعقب المهربين.

وأوضحت موغيريني أن أعضاء الاتحاد الأوروبي “اقتربوا جدا من توزيع النص” على الأعضاء الآخرين في مجلس الأمن، الذي يمكن أن يصوت على القرار قبل 18 مايو، موعد اجتماع وزراء خارجية دول الاتحاد الأوروبي في بروكسل.

واقترحت موغيريني بناء على استشارة رئيس الأركان السابق للقوات الجوية الإيطالية الجنرال ليوناردو تريكاريكو استخدام طائرات بدون طيار لتدمير قوارب المهربين الراسية على الشواطئ الليبية قبل تحميلها بالمهاجرين، كوسيلة للحد من مآسي الهجرة غير الشرعية إلى أوروبا.

وقال الجنرال تريكاريكو الرئيس الحالي لمؤسسة "إيكسا" لبحوث الدفاع والأمن والاستخبارات في تصريح صحفي له "إن هذا الحل قابل للتطبيق دون أي صعوبات تقنية أو تشغيلية ودون إراقة قطرة دم واحدة، ولا حتى من قبل المجرمين الذين يسيطرون على حركة الاتجار بالبشر".

وقالت فيديريكا موغيريني إنه قبل أن يتمكن المهربون من شحن قوارب المهاجرين والتسبب بمآس جديدة في البحر، فسيكون كافيا البدء بنشاط استطلاعي مسلح مستمر للسواحل وتدمير الزوارق قبل نزولها إلى البحر عندما تكون فارغة، وهي عملية بسيطة جدا من حيث التنفيذ، بالنسبة لمن استخدم هذه الأسلحة لسنوات في العراق وأفغانستان وليبيا وأماكن أخرى من العالم في مهمات إنسانية، وأيضا في مجال مكافحة الجريمة المنظمة.

ستكون لدول الاتحاد الأوروبي بعد التصويت على القرار القدرة على تعقب مهربي البشر وإيقاف عمليات الهجرة وتدمير القوارب

وأشار القائد العسكري الإيطالي السابق إلى أن “تسليح طائرات بدون طيار يتطلب مع ذلك، تعاون الولايات المتحدة وذلك لخبرتها وتمكنها في هذا المجال”. واستدرك الجنرال قائلا “لكن الولايات المتحدة ترفض منذ سنوات تزويد القوات الجوية الإيطالية بمعدات التسليح الخاصة بمقاتلات برديتور، على الرغم من أننا نقترب من السنة الحادية عشرة من المشاركة بالعمليات العسكرية الدولية".

وتساءل تريكاريكو قائلا “ربما وراء كلمات الرضا الجميلة التي حظينا بها دائما من قبل أصدقائنا عبر الأطلسي، إلا أننا في الواقع حليف غير موثوق بالنسبة لهم”.

وأكدت فيديريكا موغيريني أن الاتحاد الأوروبي له من الإمكانيات ما تؤهله للقيام بهذه المهمة في صورة موافقة مجلس الأمن على الخطة، وأكدت في تصريحات لها أن “أوروبا تعاني من الهجرة غير الشرعية منذ عقود، ولا تريد أن تتعايش معها، فهي مرض يجب التخلص منه بشكل أو بآخر”.

وتعتبر فيديريكا موغيريني أنه على الاتحاد الأوروبي العمل بأكثر "حزم" تجاه الهجرة غير الشرعية نحو السواحل المطلة على البحر الأبيض المتوسط خاصة في سواحل اليونان وإيطاليا. وهما البلدان الأكثر تضررا من الوافدين من البحر. وقالت مورغيني "إن إيطاليا مثلا غير قادرة لوحدها على مواجهة المئات القادمين كل يوم إليها، على الجميع أن يبدي استعداده الطبيعي للمساعدة، الأمر لم يعد محتملا".

وتأمل إيطاليا أن تحضى بدعم دول أخرى من الاتحاد الأوروبي بالعتاد البحري والعناصر العسكرية والأمنية المختصة.

تدمير القوارب عمل خطير وغير إنساني

فيتالي تشوركين: دبلوماسي روسي من المخضرمين، عين مندوبا دائما لروسيا لدى الأمم المتحدة مع قدوم سيرغي لافروف وزير الخارجية الحالي.

قالت روسيا إن أوروبا يجب أن تتخذ من الدوريات البحرية لمكافحة القرصنة قبالة سواحل الصومال نموذجا لعملياتها للتصدي لتهريب المهاجرين من ليبيا عبر البحر المتوسط، “لكن تدمير القوارب المستخدمة هو تخط للحدود".

وقال السفير الروسي لدى الأمم المتحدة فيتالي تشوركين إنه فيما يتعلق بطلب تدمير القوارب “نعتقد أنه يذهب إلى أبعد مما يجب".

وأكد أن هذا الإجراء من شأنه أن يشرع لقيام قوات الاتحاد الأوروبي باختراق سيادة دول في الضفة الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط، وهو ما يضع المجتمع الدولي في حرج عميق تجاه هذا التجاوز.

وقال تشوركين للصحفيين إن تجارب المجتمع الدولي وخاصة الاتحاد الأوروبي مع أزمات من هذا النوع عديدة ومتنوعة، و"يعلم عسكريو أوروبا جيدا كيف يتعاطون مع الهجرة غير الشرعية أو مع مشكلة القراصنة في دائرة القرن الأفريقي".

وأضاف قائلا “نعتقد أن علينا أن نظل في إطار ما لدينا بشكل عام، ما نتعامل به مع وضع القرصنة قبالة سواحل الصومال. لدينا سابقة جيدة فلماذا لا نستخدمها".

وأكد تشوركين أن تعاطي القوات البحرية التي تشكلت بتحالف دولي للقضاء على القراصنة في سواحل الصومال كان مسألة "مدروسة ومعقولة، وحتى استخدام القوة في تلك المرحلة كان منطقيا جدا، وبالتالي علينا أن نفكر بالمنهج والعقلية ذاتها في التعاطي مع المهاجرين غير الشرعيين الذين يعبرون الحدود يوميا للدخول إلى أوروبا".

ووافق زعماء الاتحاد الأوروبي الشهر الماضي على "رصد واحتجاز وتدمير القوارب قبل أن يستخدمها المهربون”، لكن لم يتضح كيف سيتم تنفيذ ذلك. ويريد الاتحاد الذي يضم 28 دولة موافقة الأمم المتحدة على عملياته.

وتعد الدول الأعضاء في الاتحاد وفي مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة وهي بريطانيا وفرنسا وأسبانيا وليتوانيا مشروع قرار يفوض بالتدخل في أعالي البحار وفي المياه الإقليمية الليبية، وأيضا على سواحل ليبيا لضبط القوارب.

إن ضبط وتدمير قوارب المهربين لن يحل القضية، ناهيك عن أنه حل فيه الكثير من الخطر وإمكانية تعقيد المشكل أكثر واردة

وقال الاتحاد الأوروبي إنه يعتزم استخدام عملية “أتلانتا” لمكافحة القرصنة أمام سواحل الصومال كنموذج للتعامل مع عمليات تهريب اللاجئين عبر البحر المتوسط. وهذه المهمة تحديدا استهدفت قاعدة للقراصنة على ساحل الصومال في مايو عام 2012، ودمرت عدة قوارب.

وتؤكد روسيا عبر مندوبها في الأمم المتحدة أن معالجة الهجرة غير الشرعية يجب أن يستند إلى مبادئ القانون الدولي المنظم لمثل هذه الإشكالات التي تعتبر معقدة، يتداخل فيها قانون أعالي البحار والحدود وسيادة الدول وسلامة الأشخاص. وما يزيد الأمر تعقيدا هو “حقوق الإنسان التي يمكن أن تضيع في تفاصيل الإجراءات الأمنية التي تتخذها السلطات على الحدود البحرية والبرية”، حسب تعبير سفير روسيا لدى الأمم المتحدة.

وصرح تشوركين بأن تدمير القوارب قد يخلق مشاكل قانونية، وأوضح أن مناقشات مجلس الأمن الرسمية في هذا الصدد لم تبدأ بعد.

وانتقد فيتالي تشوركين التدخل العسكري المزمع قائلا “إن ضبط وتدمير قوارب المهربين لن يحل القضية”.

وقال تشوركين أن “تدمير القوارب فقط ليس حلا". مضيفا "سيجد المهربون سبلا أخرى في عبور الحدود والدخول بشكل غير شرعي إلى الأراضي الأوروبية عبر إيطاليا أو غيرها”.

ودعا السفير الروسي إلى حل إنساني شامل لمعالجة مسألة الهجرة، بما في ذلك إيجاد مسار قانوني للناس لكي يفروا إلى أوروبا من مناطق الصراعات.

ويؤكد تشوركين أن قدوم هؤلاء إلى أوروبا بتلك الطريقة يعكس مدى صعوبة العيش والمآسي التي يرونها في بلدانهم.

مناخ الفوضى والإرهاب في ليبيا يؤجج ظاهرة الهجرة غير الشرعية

تشهد ليبيا فوضى أمنية ونزاعا مسلحا أدى إلى تزايد الهجرة غير الشرعية عبر سواحلها التي تفتقد للرقابة الفعالة، في ظل الإمكانات المحدودة لقوات خفر السواحل الليبية وانشغال السلطات بالنزاع المسلح الدائر في ليبيا منذ الصيف الماضي.

ومع ساحل طوله 1770 كلم وغير مراقب من قبل السلطات، تعتبر ليبيا نقطة انطلاق المهاجرين غير الشرعيين الذين يحاولون عبور البحر المتوسط في رحلة محفوفة بالمخاطر للوصول إلى أوروبا. ولا تبعد السواحل الليبية أكثر من 300 كلم عن جزيرة لامبيدوسا الإيطالية، التي تشهد كل عام وصول الآلاف من المهاجرين غير الشرعيين.

وكانت إيطاليا دعت الاتحاد الأوروبي الإثنين، إلى اتخاذ “تدابير ذات مغزى” لمواجهة التدفق المستمر للمهاجرين في المتوسط، وذلك بعد إنقاذ نحو ستة آلاف من هؤلاء في نهاية الأسبوع الماضي.

وشرعت السلطات الليبية في طرابلس مؤخرا، في إبراز جهودها لمكافحة الهجرة غير الشرعية عبر الإعلان عن كل عملية توقيف لمراكب مهاجرين، واصطحاب الصحفيين إلى مراكز الإيواء التي تضم نحو سبعة آلاف مهاجر أوقفوا خلال محاولتهم الهجرة.

ورغم ذلك، يؤكد جهاز خفر السواحل، وجهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية المرتبط بوزارة الداخلية في حكومة طرابلس، أن السلطات الحاكمة في العاصمة تفتقد إلى الإمكانات للحد من محاولات الهجرة إلى أوروبا والتي تشمل آلاف الأشخاص أسبوعيا.

السلطات الليبية تفتقد إلى الإمكانات للحد من محاولات الهجرة إلى أوروبا وتواجه صعوبات في مراقبة السواحل

ويقول العقيد رضا عيسى آمر القطاع الأوسط لحرس السواحل “نستخدم في المنطقة الوسطى مركبين، وزوارق مطاطية صغيرة، معظمها متهالكة وغير مجهزة، بل إن الذي أدخل عليها تعديلات تناسب عملياتنا في مكافحة الهجرة هم نحن”. وتابع “نحتاج إلى عشرة زوارق على الأقل متخصصة بهذه المسألة حتى نتمكن من الحد من الهجرة بشكل كبير”.

وفي زوارة التي تشهد المناطق الواقعة إلى جنوبها معارك يومية بين قوات “فجر ليبيا” التي تسيطر على معظم مناطق غرب ليبيا بما فيها هذه المدينة، وقوات الحكومة المعترف بها دوليا والتي تمارس عملها من شرق البلاد، منطقة ساحلية مهجورة تمتد على مسافة كيلومترات ولا تخضع للرقابة الفعالة. ويدفع غياب هذه الرقابة بتجار الهجرة غير الشرعية إلى استغلال الفجوة الأمنية لإرسال قوارب المهاجرين من هذه المنطقة.

وتؤكد عديد التقارير أن خروج تلك القوارب بشكل عشوائي وغير مجهز يؤدي بها إلى الغرق والتلف وسط الطريق، أو الجنوح عن الطريق السليمة للدخول إلى الأراضي التونسية، وهذا ما حدث عديد المرات.

ويقول العقيد محمد سالم آمر الغرفة الأمنية المشتركة في زوارة “مهمتنا الأساسية حماية المدينة من أي خروقات أمنية، ومنها الهجرة غير الشرعية، لكننا لا نملك شيئا لتحقيق ذلك، ونحتاج مراكز إيواء وميزانية كاملة حتى أننا ندفع من جيوبنا الخاصة أحيانا ثمن الغذاء للمهاجرين الذين نوقفهم".

وتؤكد آخر المعلومات أن السلطات الليبية اعتقلت في بلدة الجفرة الصحراوية الجنوبية 163 مهاجرا مصريا غير شرعي تم تهريبهم عبر الحدود في شاحنة بعد يوم من قيام رئيس الوزراء المؤقت لحكومة الإنقاذ الوطني في طرابلس بجولة في مرافق الاحتجاز بالمدينة.

وتعتبر هذه الاعتقالات الأحدث في سلسلة من عمليات الاعتقال والاحتجاز للمهاجرين غير الشرعيين القادمين من عديد الدول الأفريقية والذين شقوا طريقهم إلى ليبيا على أمل العثور على قوارب تنقلهم للشواطئ الأوروبية.

12