قصور استراتيجية المواجهة يبقي تونس في مهب الإرهاب

ما فتئت الحادثة الإرهابية التي شهدتها مدينة سوسة الساحلية، منذ أيّام، تُلقي بظلالها على المشهد التونسي في ظلّ ضبابية الرؤية وعدم تبلور إستراتيجية حكومية واضحة للتّصدي لهذا الخطر الداهم الذي يهدد مستقبل البلاد والعباد، ممّا أسهم في تواصل المخاطر جراء التهديدات القائمة. وحتى الإصلاحات العاجلة المطروحة فهي لا تخلو من تحديات، وفق محلّلين، كونها تطرح معها معادلة صعبة تتعلق بكيفية التوفيق بين محاربة الإرهاب دون المسّ بالحريات.
الخميس 2015/07/09
المعالجة الأمنية الآنية يجب أن تتم في إطار القانون

تونس - أفادت تقارير إعلامية في تونس باختفاء حوالي 35 شابا في منطقة رمادة (أقصى جنوب البلاد)، يوم الثلاثاء الماضي، حيث رجحت مصادر أمنية التحاقهم بتنظيم “الدولة الإسلامية”. وأوضحت التقارير أنّ وجهة الشبان كانت إلى إحدى بؤر التّوتر والالتحاق بتنظيم “داعش”، لكنها لم تشر إلى تلك الوجهة وما إذا كانت تتعلق بليبيا أو سوريا أو العراق.

ويتصدّر التونسيون، حسب تقارير دولية، مراتب متقدّمة في عدد الجهاديين الذين يقاتلون ضمن التنظيمات المتشددة في الخارج وأبرزها تنظيم داعش. ويسافر أغلب هؤلاء عبر الأراضي الليبية وتركيا ومنها ينطلقون إلى سوريا والعراق.

وتأتي عملية مغادرة الحدود هذه، عقب الحادثة الإرهابية التي شهدتها مدينة سوسة الساحلية منذ أيام، والتي راح ضحيتها 38 سائحا أجنبيا في أعنف عملية شهدتها البلاد، ممّا بات يطرح أسئلة عدّة حول نجاعة الإجراءات الوقائية الّتي اتخذتها الحكومة بما فيها الإعلان عن حالة الطوارئ، والإصلاحات الأخرى اللازمة والعاجلة التي يجب تضمينها في إستراتيجية التصدي لهذه التهديدات والمخاطر وكيفية التعامل مع تحديات المواجهة.

إصلاحات عاجلة

تسببت الضربة الإرهابية التي شهدتها شواطئ مدينة سوسة بعد مرور أقل من ثلاثة أشهر على عملية متحف باردو في إرباك قطاع السياحة المتأزم بطبيعته، وزيادة حجم التحديات الاقتصادية التي تعيشها البلاد، ممّا يطرح على السلطات ضرورة التعجيل بجملة من الإصلاحات.

وتلفت دراسة للباحثة أسماء نويرة، صادرة عن مبادرة الإصلاح العربي، إلى أنّ التونسيين قد شعروا أنّ الإرهاب قد ضرب هذه المرّة أهم القطاعات الاقتصادية، خاصّة أنّ اختيار التنظيمات الإرهابية السياحة كهدف يعود إلى أنها من القطاعات الحيوية بالنسبة إلى التونسيين عامة والمشتغلين في القطاع خاصة. وقد شكلت منذ سنوات طويلة القطاع الحيوي الأساسي الذي يقوم عليه الاقتصاد كمصدر هام للعملة الصعبة على الرغم من هشاشته وسهولة تعرضه للمخاطر وتحكّم عدة متغيرات فيه. إضافة إلى أن المواقع السياحية تبقى أهدافا سهلة المنال رغم كل الترتيبات الأمنية، مما أضحى يستوجب جملة من الإصلاحات وإعادة النظر في ترتيب الأولويات الاقتصادية.

وتحتّم هذه الإصلاحات الالتفات إلى القطاعات الأخرى، كالقطاع الزراعي والصناعات الغذائية المرتبطة به. كما النظر إلى العمل كقيمة في حد ذاته وليس كطريقة لكسب العيش فحسب. فالنمو الاقتصادي، وفق الدراسة، والخروج من الأزمة لا يُساعدهما إغراق الدولة بالمطلبية الاجتماعية وانتظار الحكومة لتوفير مواطن شغل. فلقد دأبت الحكومات منذ 2011 على خلق مواطن شغل جديدة، حيث أغرقت الوظيفة العمومية وخلقت أزمات جديدة على مستوى الإدارة.

ومن المهام الملحّة الآن، وضع الإصلاح الاقتصادي على قائمة الأوليات نظرا إلى ارتباطه الوثيق بمسألة الإرهاب. فهناك مثلا الترابط بين الاقتصاد الموازي وشبكات التهريب من جهة، والشبكات الإرهابية من جهة أخرى. وقد تعاونت الشبكتان سواء عبر “توبة” كبار المهربين وانتمائهم إلى جماعات دينية متشددة أو عبر التعاون بينهما. كما أن مسألة تنمية الجهات الداخلية لخلق فرص للاستثمار والتشغيل أصبحت أكثر إلحاحا اليوم.

من المهام الملحة المطروحة على السلط التونسية وضع الإصلاح الاقتصادي على قائمة الأوليات نظرا إلى ارتباطه بمسألة الإرهاب

وبالإضافة إلى الجانب الاقتصادي، يجب الإحاطة بجلّ الجوانب الأخرى، فصحيح أنّ الإرهاب يتصل بشكل مباشر ومعلن بالمسألة الدينية لكن له أيضا أصول اجتماعية وتعليمية وثقافية، فالثقافة تعاني من التهميش، وتفتقر أغلب المناطق إلى دور للثقافة الفاعلة. ولا يُعد توفير هذه الأماكن للشباب من باب الترف لأنهم بحاجة إلى قنوات يفجرون فيها طاقاتهم الإبداعية ويتعلمون فيها الانفتاح على الذات وعلى الآخر.

إن مقاومة الإرهاب تتطلب حتما إصلاح المؤسسات الدينية وترشيد الخطاب الديني. لكن يجب أيضا إصلاح التعليم حتى يخلق شبابا فاعلا ذا حس نقدي. كما يتطلب أيضا دعم النشاط الثقافي في كل ربوع البلاد.

تحديات المواجهة

يؤكّد العديد من السياسيين والناشطين أنّ المعادلة بين التصدي للظاهرة الإرهابية والقيام بإصلاحات جريئة من جهة واحترام حقوق الإنسان والحريات الفردية والعامة المكفولة بالدستور من جهة أخرى تعدّ صعبة للغاية.

وقد كانت هذه المعادلة من بين النقاط الأساسية التي أثيرت عند مناقشة مشروع قانون الإرهاب، الذي ورثه مجلس نواب الشعب عن المجلس الوطني التأسيسي، من جهة، والقوانين المتعلقة بالقطاع الأمني من جهة أخرى. وكثيرا ما انتقدت بعض المنظمات الحقوقية، هذا التوجّه معتبرة أن مقاومة الإرهاب من شأنها أن تكون حجة تتخذها الحكومة الحالية لعودة الاستبداد.

وبانتظار إصدار القانون الذي تأخر، أقرّ مجلس الأمن القومي عدة إجراءات لمجابهة الوضع الراهن.

وهي تنقسم إلى إجراءات ذات طابع امني/عسكري، وأخرى ذات طابع قانوني/سياسي. فعلى المستوى الأمني، تمت دعوة جيش الاحتياط إلى دعم التواجد الأمني في المناطق الحساسة. وقد قررت الحكومة أيضا “تكثيف الحملات والمداهمات لتتبع العناصر المشبوهة والنائمة في إطار احترام القانون”.

الباجي قائد السبسي: على العاملين في قطاع الإعلام أن يراعوا الظرفية التي تمر بها البلاد

ولعل إعلان حالة الطوارئ بمقتضى القانون رقم 50 لسنة 1978 يدفعنا إلى التساؤل عن مدى التزام السلطة باحترام القانون في تنفيذها لهذه القرارات، فكيف يمكن لقانون اتخذ في ظروف خاصة (أحداث يناير 1978)، وفي ظل حكم استبدادي، أن يطبق في ظل نظام يحاول توطيد مساره الديمقراطي. وإن كان لإعلان حالة الطوارئ ما يبرره عمليا كما ورد في فصله الأول بسبب “حالة خطر داهم ناتج عن نيل خطير من النظام العام”، فلقد أعطى الصلاحية لوزير الداخلية وللولاة في فصله السابع “بالغلق المؤقت لقاعات العروض ومحلات بيع المشروبات وأماكن الاجتماعات مهما كان نوعها”. كما سمح لهم في فصله الثامن “باتخاذ إجراءات لضمان مراقبة الصحافة وكل أنواع المنشورات وكذلك البث الإذاعي والعروض السينمائية والمسرحية”. وفي فصله الرابع يُخوّل “منع كل إضراب أو صد عن العمل ولو تقرر قبل الإعلان عن حالة الطوارئ”. وكلها عناصر، وفق دراسة الباحثة، أسماء نويرة، تمسّ بحقوق الإنسان وبالحريات العامة.

ولذلك فقد أثار هذا القرار القلق لدى فئة واسعة من الشعب ومنظمات المجتمع المدني، حارس المكتسبات في مجال الحريات. وقد حاول الباجي قائد السبسي طمأنة المخاوف في خطابه الذي أعلن فيه حالة الطوارئ، حيث ذكر صراحة أنه “لا يمكن الرجوع عن حرية الصحافة وحرية التعبير”. لكنه طالب العاملين في قطاع الإعلام بـ”مراعاة الظرفية الحساسة التي تمر بها البلاد”. كما تحدث عن الإضرابات والاعتصامات التي كبدت البلاد خسائر اقتصادية كبيرة.

أما في ما يتعلق بالقرارات السياسية والقانونية الجديدة التي أعلنت عنها الحكومة، فهي تخص الأحزاب والجمعيات الدينية التي لا تتقيد بالقانون.

ويبدو أن هذه الإجراءات ستطال بدرجة أولى “حزب التحرير” الذي رفع رايات الخلافة في مؤتمره الأخير. أما عن الجمعيات، فإن عددا كبيرا منها متهم بتمويل الإرهاب. لذلك، ارتأت الحكومة ضرورة تنقيح النص القانوني المتعلق بتنظيم الجمعيات وخاصة في ما يتعلق بتمويلها.

وقد تمّ إقرار غلق كل المساجد الخارجة عن سيطرة وزارة الشؤون الدينية، مما أثار موجة من الانتقادات باسم “حرية إقامة الشعائر الدينية”. فمحاربة الإرهاب، وفق دراسة نويرة، لا تكمن فقط في الأماكن التي يتحصن بها الإرهابيون، بل أيضا في دور العبادة التي تبث خطابا تكفيريا وعنفيا. وفي كل مرة كانت الدولة تحاول بسط سيطرتها على هذه المساجد وعزل الأئمة الخارجين عن القانون، كانت تتعالى احتجاجات بعض الأحزاب الإسلامية والجمعيات الدينية.

لتخلص الدراسة الصادرة عن مبادرة الإصلاح العربي إلى أنّ المعالجة الأمنية الآنية يجب أن تتم في إطار القانون، ولا يجب اتخاذ مقاومة الإرهاب كحجة للمسّ من الحريات العامة وانتهاك حقوق الإنسان. وفي المقابل، لا يجب أن تكون هذه الحقوق والحريات وسيلة للدفاع عن الإرهاب وتبييض الإرهابيين.

7