قصور القوى العلمانية في المغرب يعزز موقع تيار الإسلام السياسي

تعيش التيارات اليسارية والليبرالية أزمة حقيقية جرّاء الصراعات والانقسامات داخلها، وعدم قدرتها على مجاراة المتغيرات المجتمعية والسياسية، وهو ما أفضى في النهاية إلى صعود نجم تيار الإسلام السياسي في المغرب، ويرى محللون وباحثون أن على هذه التيارات إجراء نقد ذاتي يعيدها إلى زخمها وإلا فإن الساحة ستبقى شاغرة للإسلاميين.
الأحد 2016/02/07
انفصام عن الواقع

الرباط - تعاني القوى الليبرالية واليسارية في الدول المغاربية ومن ضمنها المغرب من حالة وهن الأمر الذي سمح لتيار الإسلام السياسي بالصعود، وهو ما ترجم في الانتخابات الجهوية الأخيرة، وقبلها البرلمانية.

ويستمر صعود نجم هذا التيار بمختلف تلويناته وتغلغله في المجتمع المغربي، مع عدم قيام القوى العلماينة بنقد ذاتي يعيدها إلى موقعها المتعارف عليه.

واعتبر حسام هاب، الباحث في التاريخ الراهن بجامعة محمد الخامس الرباط، في حديث مع “العرب”، أن موقع القوى العلمانية والليبرالية أضحى مختلاّ في موازين القوى سياسيا واجتماعيا، وهو ما برز من خلال عدم قدرتها على قيادة حراك 20 فبراير وفشلها في فرض توجّهاتها الحداثية داخل الدستور المغربي وخاصة مسألة حرية المعتقد ونتائجها الضعيفة في الانتخابات التشريعية نوفمبر 2011.

ومع الأخذ بعين الاعتبار أن سنة 2015 تميزت بنقاش مجتمعي هويّاتي حول حرية المعتقد والحريات الفردية والمساواة في الإرث والإجهاض قادته القوى الليبرالية في المغرب، إلا أنها لم تتمكن من تأطير المجتمع والتمدد داخله سياسيا، حسب الباحث.

ورأى هاب أن ذلك النقاش ظل نخبويا مقتصرا على فئات متنوّرة حداثية داخل المجتمع في غياب أيّ إشراك حقيقي لفئات مجتمعية واسعة على مستوى تبسيط الخطاب وفتح النقاش بشكل عقلاني يراعي طبيعة المجتمع المغربي المحافظ ومركزية الهوية الدينية في سلوكاته وأفكاره.

ويعود عدم تحقيق القوى الليبرالية لمشروعها المجتمعي بالمغرب لأسباب وعوامل ذاتية وأخرى موضوعية، عدّدها الباحث حسام هاب، في عدم قدرتها على التغلغل داخل المجتمع المغربي وإيصال خطابها إلى فئات عريضة، وغياب موقفها الواضح والعقلاني من المسألة الدينية وانغماسها في الصراعات والانشقاقات الداخلية ممّا أضعف قدراتها التنظيمية.

وحال القوى اليسارية التي تتبنى نظرية الاشتراكية العلمية ليس بأفضل، بل العكس تماما حيث تشهد هذه القوى حالة اغتراب داخلي في ظل عجزها عن تحيين طرحها بما يتوافق ومتطلبات العصر وطبيعة المجتمع المغربي، فضلا عن انقساماتها.

وقالت نبيلة منيب الأمينة العامة لحزب الاشتراكي الموحد في تصريحات لـ”العرب” إن “اليسار مطالب بتوحيد صفوفه لمواجهة أصولية الإسلام السياسي، مشددة على ضرورة التوافق، وعلى إعادة بناء اليسار على أسس جديدة وحداثية، والرجوع إلى الأطر والعمل، وربط جسور التواصل وتحديث أدواته وسن سياسة القرب والارتباط العضوي بالجماهير الشعبية، ووضع مشروع بديل قادر على تأطير الاحتجاجات المتواصلة”.

واعتبرت منيب، أن أزمة اليسار المغربي مرتبطة بانهيار منظومة القيم بسبب مجموعة ممّن أسمتهم بالأصوليين والانتهازيين.

مستقبل اليسار المغربي رهين بإعادة تجديد خطابه الفكري والسياسي حتى يلائم التحولات البنيوية داخل المجتمع وتحيين أدوات تحليله له بعيدا عن التحاليل اليسارية القديمة

ودعت الأمينة العامة لحزب الاشتراكي الموحد، القوى اليسارية، إلى إطلاق دينامية سياسية جديدة لصياغة مشروع ديمقراطي حداثي، يعيد للفعل اليساري قيمته ومصداقيته لدى الجماهير.

وتوجد في المغرب أحزاب راديكالية وأخرى باتت أقرب منها لليبرالية على مستوى الممارسة.

وتتمثل الأحزاب اليسارية المعارضة وغير الممثلة في البرلمان المغربي والتي تشكل فيدرالية اليسار، في حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي وحزب الاشتراكي الموحد وحزب النهج الديمقراطي.

كما توجد أحزاب يسارية أخرى ممثلة داخل البرلمان وهي حزب الاتحاد الاشتراكي المعارض، وحزب التقدم والاشتراكية (الشيوعي سابقا) الذي يشارك في الائتلاف الحكومي إلى جانب حزب العدالة والتنمية الإسلامي.

وأوضح محمد بودن المحلل السياسي في تصريحات لـ”العرب” إن المتتبع لمسار اليسار بالمغرب يظهر له شتات كبير، فضلا عن انقسام اليسار إلى يسار حكومي “حزب التقدم والاشتراكية”، ويسار معارض “الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية”، يسار موجه خارج المؤسسات الذي يسمّى بـ”فدرالية اليسار المغربي”، وبعض الأحزاب اليسارية الصغرى، والآن يمكن إضافة ما يمكن تسميته التوجه اليساري الوسطي، الذي اختطه حزب الأصالة والمعاصرة في مؤتمره الثالث”.

وأضاف بودن “إنّ غياب توجه يساري محكم، جعل أحزابه، أمام باب شبه مغلق، فيما يتعلق ببناء التيارات النافعة، والوفاء للخيارين الإصلاحي والديمقراطي، ويظهر للبعض في أحيان عدة أن بعض الأحزاب المحسوبة سواء على اليسار ‘المعتدل’ أو اليسار الراديكالي، لم تعد ترضى من الناحية السيكولوجية بالامتدادات اليسارية، وهذا المعطى ظهرت له مؤشرات سواء في البرامج والممارسة الانتخابية، أو في اللحظة الانتخابية، التي جاءت نتائجها مطابقة لمستوى تدني الفكر اليساري في المشهد السياسي المغربي”.

واعتبر المحلل السياسي، أن التذبذب السياسي والمذهبي، يطبع الممارسة السياسية لأحزاب اليسار، التي تبحث بشغف عن مكان تحت قبة البرلمان أو في تركيبة الحكومة، مهما كانت الكلفة المرتبطة، بالمذهب السياسي، وهذا انحراف واضح تجاه تبنّي الطرح الأصلي.

وأشار محمد بودن، إلى أن الأحزاب السياسية المغربية، سليلة الفكر اليساري، تختلف كثيرا لتلتقي نادرا في موقف موحد، وهو الأمر الذي يرميها غالبا في قوقعة التفكير المصلحي، والزعاماتي، وعيوب التنظيم.

ويرى حسام هاب، الباحث في التاريخ الراهن، في حديثه مع “العرب”، أن مستقبل القوى الاشتراكية التقدمية في المغرب لا بد من عدم رهنه فقط بالصعود الحالي لتيار الإسلام السياسي بل يتوجب ربطه بالواقع الحالي لليسار المغربي وأيضا بالسياق العالمي والإقليمي.

وهو مستقبل رهين، حسب ذات المتحدث، بإعادة تجديد خطابه الفكري والسياسي حتى يلائم التحولات البنيوية داخل المجتمع وتحيين أدوات تحليله له بعيدا عن التحاليل اليسارية القديمة وتقوية أداته الحزبية التنظيمية التي تسمح له بالحضور الجغرافي والمجالي والقطع مع منطق التشرذم والانشقاق والنزعات الذاتية.

2