قصور ميزاب في صحراء الجزائر تشكو زحف الإسمنت

لا تزال قصور ميزاب منتصبة على التلال الحجرية لمدينة غرداية وضواحيها، تروي لزائريها حكاية إنسان عمّر المنطقة منذ قرون، وشيّد حضارة قدمت لزمنها حلولا لتنظيم المجتمع ولتجانس المعمار مع إشكالات الأرض والمياه، غير أنّ أيادي الإهمال تكاد تقطع أنفاسها بسبب التوقف عن صيانتها وتشويه جوانبها بالآجر والإسمنت لتشييد بناءات حديثة، بما ينبئ بتدهور تلك المعالم وتحوّلها إلى أطلال تبكي حظها حنينا إلى ماض تليد.
السبت 2015/05/30
قصور ميزاب، علامة بارزة في صحراء الجزائر، ترزح تحت وطأة الإهمال

تكتنز مدينة غرداية وأطرافها الواسعة بوادي الميزاب، شمال صحراء الجزائر، بعدد من القصور المنحوتة على تلال صخرية، انبهرت منظمة اليونسكو بالجماليّة العالية لمعمارها وبقيمتها التاريخية فصنفتها تراثا عالميا في 1982، لا سيما أنّ إنشاءها يعود إلى الفترة الممتدة بين القرنين الحادي عشر والرابع عشر للميلاد. وفي مقدّمتها قصور العطف وغرداية وبني يزقن وبونورة ومليكة وتاجنينت وأتمليشت.

وتجسّد قصور وادي ميزاب أبرز سمات الموروث الثقافي لمنطقة يسميها المؤرّخون بـ”بلاد الشبكة”، نسبة إلى شبكة الأودية المترابطة التي تشقها من الشمال الغربي نحو الجنوب الشرقي. وقد قال عنها المهندس المعماري الفرنسي الشهير، لوكور بوزييه، إنها "هندسة من دون مهندس"، معربا بذلك عن انبهاره بعمارة تلك القصور.

ومن اليسير للزائر أن يلاحظ أنّه في أعالي كلّ قصر يأخذ المسجد موقع القلب بمنارته الهرمية، لتبرز من بعيد للزوّار خصوصية العمران المحلي، وحوله تلتفّ المنازل في سلم تنازلي، مشكلة أزقة ضيّقة ومتعرّجة تشعر الزائر كما لو كان داخل متاهة.

ويعدّ وادي ميزاب معقل الأقليّة الإباضية في الجزائر، ورغم كلّ التحوّلات التي تشهدها البلاد يحاول الإباضيون الحفاظ على هويتهم الثقافية والدينية والمعمارية في المنطقة، ولكن ذلك لم يمنع من حصول مواجهات واشتباكات عنيفة خلال الفترة القريبة الماضية في غرداية لاعتبارات طائفية.

تحتضن القصور داخل أسوارها مكتبات يعود بعضها إلى القرن الثالث عشر للميلاد، كما تضمّ آبارا قديمة تحمل اسم حافريها، وغالبا ما يوجد قرب كل بئر نخلة، ففي غرداية الماء مقدّس والنخلة أولى بالقطرة التي قد تذهب هدرا، وهذا ليس بغريب على حضارة ميزاب، فالذي عمّر المنطقة شبه الصحراوية، كان يدرك شحّ تساقط الأمطار فيها وفكّر مليا في قدسية الماء، التي تقول الأرقام الآن إنها لا تتجاوز 90 ملم في السنة.

وعند مخرج القصر في الأسفل توجد ساحة كبرى، هي بمثابة مركز للنشاط الاقتصادي والتجاري للمجتمع الميزابي، حيث تستقبل التجار من غرداية وخارجها.

اليونسكو صنفت عام 1982 خمسة قصور بالمنطقة تراثا عالميا وهي: قصور العطف وغرداية وبني يزقن وبونورة ومليكة

ومع ذلك فقد باتت هذه الثروة التاريخية تعاني الإهمال والتخريب، وإن سلم قصر بني يزقن بالنظر إلى إجماع ساكنته على ضرورة المحافظة عليه، وعلى النمط التقليدي والخصائص التراثية والعمرانية فيه، فإن قصر العطف يشكو الآن من عدوى البناء العشوائي المخالف للأعراف، ففي مدخله الرئيسي شيّدت بناية “عصرية” شوّهت واجهته كمعلم عمراني تراثي.

كما كان للعوامل الطبيعية تأثيرها في تصدع البنايات، ممّا جعل السكان يرتجلون في “ترميمها” دون أدنى مراعاة لهندستها ومواد البناء المستخدمة، فمساكن عديدة تقام الآن في قصر العطف وبعض القصور الأخرى باستخدام الآجر والإسمنت، رغم أنها ضمن القطاع المحفوظ لوادي ميزاب.

وللتستر على هذه التجاوزات، تعمد بعض أصحاب هذه البنايات اللجوء إلى الطين والجير لطلاء جدرانها الخارجية، في حين أن سكان آخرين لم يكلفوا أنفسهم حتى عناء ستر هذا العيب، إذ ترى بيوتهم لا تمت بصلة لمنطقة مصنفة عالميا، في حين تؤدي السلطات المحلية والمصالح المختصة دور “شاهد لم ير شيئا”.

وفي خارج القصور حيث التوسعات السكنية والواحات وأنظمة تقسيم المياه المعقدة، يتهدّد الخطر مئات من الآبار القديمة، ويقول مسؤول قسم التراث بمديرية الثقافة للولاية، محمد علواني، إنّ وادي ميزاب يضم أكثر من 1500 بئر، وأغلبها اليوم مهددة بالانهيار، محذرا من الخطر الذي يحدق بالسكان المحيطين بها.

ويعرف المخطط الدائم لحفظ واستصلاح القطاع المحفوظ لوادي ميزاب “تأخرا كبيرا” منذ انطلاق دراسته في العام 2007، بعد توصيات فريق من أخصائيي منظمة اليونسكو الذي تنقل إلى مدينة غرداية، وذلك بسبب “بطء عمل مكتب الدراسات” الذي لم يحترم الآجال المتعاقد عليها.

من جانبه، اعتبر بابا نجار يونس، رئيس ديوان حماية وترقية وادي ميزاب، أن المرحلة الأولى فقط من المخطط هي التي قاربت على الانتهاء وأن مكتب الدراسات الحكومي المكلف بإنجازه قد تعهد بإنهائه قبل نهاية العام الجاري.

ويضيف يونس أن هذا “المخطط وعلى عكس باقي المخططات الدائمة لحفظ واستصلاح القطاعات المحفوظة في الجزائر، يواجه صعوبات في إنجازه نظرا لاتساع المساحة التابعة للقطاع المحفوظ الذي ربما يعتبر الأكبر في العالم”.

ويعتبر الترميم في قصور ميزاب حرفة قديمة متوارثة، غير أن هؤلاء صاروا قلة في السنوات الأخيرة، إلى درجة أن بعض القصور على غرار مليكة، ليس فيها ولا مرمّم محترف واحد”.

95 بالمئة من بيوت العطف ذات أهمية تراثية، لكن سكانها يرممونها بأنفسهم

ويؤكد بن يوسف بالوح، المقاول في الترميم بمنطقة العطف، أن “95 بالمئة من بيوت العطف قديمة وكثير من سكانها يقومون بالترميم بأنفسهم، رغم أن أغلبهم لا يتقنون الترميم على أصوله”، مشدّدا على أن “البلدية لم تقدم إعانات للسكان لترميم منازلهم منذ أكثر من 10 سنوات”.

وأمام هذه الممارسات يقول أحمد لالوت من الديوان المحلي “صار الترميم يتم بصفة ارتجالية، والذين يقومون به هم مجرد عمال بناء غير مختصين ولا مؤهلين، والكثير منهم مهاجرون من جنوب الصحراء”، مضيفا أن الكثير من سكان القصور يفضلون حاليا العمران الحديث، نافرين من النمط التقليدي، رغم الجهود التحسيسية التي يقوم بها الديوان”.

ويوضح لالوت أن مواد “الجير والجبس المحلي (المسمى تيمشمت) والحجر والرمل والطين وجذوع النخل ومشتقاتها بالكامل، كانت دائما من أهم مواد البناء التقليدية في قصور ميزاب، غير أن بعضها ما عاد يستعمل اليوم كثيرا”.

الجدير بالذكر أن العديد من المؤسسات والجمعيات المحلية تنشط من أجل الحد من زحف النمط العمراني الحديث، على غرار ديوان السياحة والتنمية ببني يزقن، وجمعية الشيخ أبي إسحاق إبراهيم اطفيش لخدمة التراث بغرداية، حيث كثيرا ما تقيم ندوات وتصدر منشورات تؤكد على أهمية البناء بالمواد التقليدية وفائدتها الاقتصادية والإيكولوجية.

20