قصيدة الجائزة أم جائزة القصيدة

الاثنين 2016/08/29

ذات صباح خريفي بعيد، دخلتُ مكتب الراحل الكبير جبرا إبراهيم جبرا، وكان أقصى طموحي أن أجد قصيدتي منشورة في مجلة “العاملون في النفط”، التي كان يشرف عليها. أما أن أستلم، إضافة إلى ذلك، أربع نسخٍ مهداة من المجلة ومقابلا ماديا عنها، فأمر فوق طاقة التخيل بالنسبة إلى طالب كان في المرحلة المتوسطة من دراسته. وقبل تلك اللحظة لم أكن أعلم أن الشاعر قد يتقاضى “ثمن تأوهاته”، حسب تعبير جان بول سارتر، عن القصيدة التي يكتبها.

إن دوافع الكتابة والمحرضات عليها، كما أشرنا في مقالة سابقة، تتعدد وتختلف من شاعر إلى آخر. وكذلك الأمر بالنسبة إلى المكافأة التي يتلقاها كاتب القصيدة. كان الشاعر الأميركي أرشيبالد ماكليش يعفي القصيدة حتى من مشقة المعنى “ليس على القصيدة أن تعني- يكفيها أن توجد فقط”. أما أدونيس فلا يرى أن للشاعر مكافأة سوى أن يكون شاعرا حقا “كن ألقا وابتكر قصيدة وامض- زد سعةَ الأرض”.

لحظة استثنائية، بالغة التفرد، ترتفع بالشاعر على أي مردود مادي أو مثوبة أرضية، فلحظة الخلق هذه تلحقه بسلالة المبتكرين الكبار. وليس له، بعد ذلك، أن يتلفت صوب التراب أو هبات البشر وعطاياهم الصغيرة.

وتمثل لحظة الكتابة الشعرية هذه ارتفاعَ الشاعر وتساميه غير المسبوق، على ما يشـده إلى الشيوع والتماثل، إنها لحظة انفصامٍ، لا يعاد لحمُها من جديد، في سلسلة عبوديتنا الموروثة. لحظةٌ تصنعها القصيدة، باعتبارها ممارسة لطيش لغوي، بالمعنى النبيل للكلمة، حافل بالوعود والمفاجآت المبهجة.

ولنا، هنا، أن نتساءل:

أيضير لحظةَ الخلق الشعري هذه، أو يحدّ من هالتها الروحية الذاهبة إلى الأعالي، أن نرتب لها عوضا ماديا، كما هو الحال لدى أمم أخرى تحفظ للشعر مكانته أكثر مما نفعل ربما؟ لا أظن ذلك. شريطة ألاّ تكون القصيدة مكتوبة انتظارا لمكافأة أو جائزة محددة، بل على المكافئ المادي أن يأتي لاحقا، اعترافا بالغ الكرم والأريحية، بحياة شعرية راسخة، وتتويجا يجيء في وقته وفي مكانه تماما.

لكنّ الشاعر أحيانا قد يرتكب بحق شعره أكثر الحماقات إيذاء. حين يربط قصيدته إلى قاطرة وحشية لا ترحم، أعني قاطرة الدولة، عقيدة أو حزبا أو رمزا فرديا، دون أن يكون لإيمانه الشخصي والجمالي متسع يتجسدان فيه. في هذه الحالة ستكبر الفجوة كثيرا بين الشاعر وضميره الشعري، بين ذاته الفردية المنقطعة إلى خيارها الحر ومتطلبات قاهرة تطل على ذاته من شاهق. فما الذي يتبقى من القصيدة في هذه الحالة؟ سيذهب الكثير منها مع الريح، ملحقا بالظرفي وإطار المناسبة وهـزة الانفعال العابر.

وهناك مكيدة شعرية أخرى لا تقل عبثا بالقصيدة وصاحبها. يحدث كثيرا في برامج المسابقات الشعرية، على الهواء أو على الورق، أن تترسخ في وجدان الشاعر المشارك في هذه البرامج وصفة جاهزة للقصيدة المؤهلة للفوز. ويحدث أن يسارع الشاعر إلى إنتاج قصيدته، وفق المواصفات، وقبل أن تأخذ فترة اختمارها الكافي في المصهر الداخلي للنفس.

وهكذا يصير على الشاعر أحيانا، وقد تشرّب هذه الوصفة وبحكم المعاشرة الطويلة لهذه البرامج، أن يكتب قصيدته، لا بوحي من النفس الأمّارة بالجمال والصدق والمحبة، بل بضغط جائزة مجزية، ومواصفات لمنتج شعري مطلوب. وربما لا يصلح بعض هذا المنتج الشعري للحياة، خارج هذه المساحة الاحتفالية المكتظة بالضجيج والأضواء والجمهور المعـد بعناية. فالشاعر، هنا، يتحرك في سياق مهرجاني يقع خارج ذاته، وفي برامج يتحول فيها الشعر إلى مادة للفرجة وقضاء الوقت.

شاعر من العراق

14